قبل أن يجلس جمال الدين الأفغاني وتلاميذه، خاصة محمد عبده منهم، في أواخر القرن التاسع عشر، على مقهى «ماتتيا»، لمناقشة تطور الفكر الإسلامي، لم يكن المقهى العربي أكثر من مكان يرتاده المهنيون من أصحاب الحرف والباعة الجائلين لتزجية أوقات الفراغ بشرب القهوة وتدخين الشيشة أو النرجيلة.
ولم يكن له دور وذكر في التاريخ، لكن بمجرد أن ارتاده مفكرون ومبدعون وساسة من مختلف الاتجاهات الفكرية، أصبح جزءاً من نسيج الحركة الثقافة والسياسية والاجتماعية العربية . اكتسب المقهى العربي شهرته وصيته من هؤلاء المبدعين والكتاب والمفكرين والسياسيين الذي ترددوا عليه، ليناقشوا همومهم الفكرية والوطنية والإبداعية، لكن ذلك لا ينكر فضله، حيث كان مسرحاً تولد على كراسيه الخطوط الرئيسية للأفكار والرؤى، وقد اعترف الكثير من الأدباء العرب، ومن بينهم أديب نوبل نجيب محفوظ، أن أكثر من عمل روائي له كتب أو ولد على هذا المقهى أو ذاك، كما أن أم كلثوم غنت للمرة الأولى على مسرح كافيه ريش.
وعلى الرغم من أن الكثير من المقاهي التي شاركت في صنع الكثير من الإبداع والأحداث السياسية الكبرى قد أصبحت في ذمة التاريخ، لكن ذكرها يبقى موصولًا ارتباطاً بذلك الإبداع وتلك الأحداث، فلايزال ماتتيا الذي تم هدمه منذ سنوات، أشهر مقاهي مصر، كونه شهد مناقشات الشيخين الأفغاني وعبده، ومن بعدهما مصطفى كامل ثم العقاد، ولا يزال مقهى «عارف آغا» الذي تحول إلى دكاكين من أشهر مقاهي العراق، كون الشاعر معروف الرصافي كان يتخذ فيه مجلساً له ولأصدقائه ومريديه. «ماتتيا» سمي مقهى ماتتيا باسم العمارة التي كان يوجد تحتها، وهي العمارة التي بناها المهندس الفرنسي أمبرويس بودري عام 1872 للمصرفي الثري ماتتياس ناهمان، وكانت تتاخم الجزء الجنوبي من حديقة الأزبكية في مكان سرك القاهرة القديم، الذي تم إعداده بمناسبة حفل افتتاح قناة السويس عام 1869.
وكان من رواده في أواخر القرن التاسع عشر، جمال الدين الأفغاني، وتلميذه الإمام محمد عبده، وفي القرن العشرين قاسم أمين وعبد الله النديم وسعد زغلول ومصطفى كامل، ومن بعدهم العقاد والمازني وصلاح عبد الصبور وعبد الغفار مكاوي وفاروق خورشيد ود.أحمد كمال زكي، والفنانون حسين رياض وعبد الوارث عسر وفؤاد شفيق.
وظهر في ماتتيا، مسرح المقهى للمرة الأولى في مصر، حيث قدم المسرحي ناجي جورج عروضه عليه عام 1970، منها: عرضه «قهوة المعلم أبو الهول» الذي أخرجه محمد فاضل. كما عقدت عليها بعض جلسات الجمعية الأدبية المصرية، التي كانت تعرف بجماعة الأمناء التي أسسها الشيخ أمين الخولي.
«الفيشاوي»
أسسه محمد فهمي الفيشاوي، في عهد الخديوي إسماعيل بالقرب من مدخل خان الخليلي الضيق من جهة الحرم الحسيني، وقد جلس فيه معظم أدباء ومفكري مصر وصحافييها على اختلاف أجيالهم وعقلياتهم وتباين ثقافاتهم، وفي مقدمتهم: أحمد لطفي السيد وعباس العقاد وعبد القادر المازني ومحمد حسين هيكل وطه حسين والزيات وأحمد أمين وفكري أباظة، لطفي جمعة،،ونجيب محفوظ. وأيضا،الكثير من أساتذة الجامعة ومشايخ الأزهر وأعضاء مجلس النواب المصري قبل ثورة يوليو 1952.
وقد شهد هذا المقهى لقاء التعارف الأول بين الشاعر، بيرم التونسي ، والملحن زكريا أحمد ،هذا الثنائي الذي كان له الفضل في تطور الأغنية العربية،لاسيما القصائد التي شدت بها كوكب الشرق أم كلثوم،كما شهد هذا المقهى قفشات الشاعر، كامل الشناوي ،التي استهدف بها الشاعر؟ عبد الحميد الديب.
وأبدع، نجيب محفوظ بين زوايا هذا المقهى، ثلاثيته بين القصرين والسكرية وقصر الشوق،،حيث استلهم منه أفكار وأحداث هذه الروايات وغيرها.
«ريش»
شهد هذا المقهى حلقات بحث ونقاش للكثير من الروايات لعزيز عيد وفاطمة رشدي وفاطمة اليوسف ومحمد عبد القدوس، وغنت فيه صالحة عبد الحي وزكي مراد وقدمت أم كلثوم أولى حفلاتها في العام 1912، وفي الأربعينيات شهد ريش الاتفاق على إنشاء أول نقابة للموسيقيين في العالم العربي.
وقد جلس فيه الرئيس الراحل جمال عبد الناصر يخطط لثورة يوليو، وأقام نجيب محفوظ ضمنه ندوة أسبوعية كان روادها كتاب الستينات، وكتب على إحدى طاولاته الشاعر العراقي عبد الوهاب البياتي الكثير من أشعاره، وفي الأربعينات والخمسينات كان أشهر رواده طه حسين والعقاد ولويس عوض وسليمان نجيب وتوفيق الحكيم، وفي الستينيات كان أشهر رواده إدوارد الخراط ويحيي الطاهر عبد الله ونجيب سرور وجمال الغيطاني والشاعر أحمد فؤاد نجم وأمل دنقل.
كان هذا المقهى بمثابة مكان إقامة هؤلاء الرواد والمبرزين، فإذا أراد شخص مقابلتهم كان عليه أن ينتظرهم هنا، وكتب هؤلاء الكتاب والشعراء الكثير من كتبهم وأشعارهم عنه متطرقين إلى دوره الثقافي والسياسي .
وما يدور فيه من مناقشات، ومنها كتاب نجيب سرور الذي صدر عام 1977 تحت عنوان «بروتوكولات حكماء ريش»، وللشاعر أحمد فؤاد نجم قصيدة شهيرة عن المقهى قام بتلحينها وغنائها الشيخ إمام عيسى، وحتى وقت قريب كان الروائي علاء الأسواني يقيم ندوته الأسبوعية فيه.
«اللواء»
اسمه في الأصل بار مقهى اللواء، وكان مواجهاً لمبنى جريدة الأهرام القديم في شارع مظلوم بوسط القاهرة، وهو بار ومقهى يحمل تاريخاً سياسياً واجتماعياً مهماً، حيث كان الزعيم مصطفى كامل يلتقي أنصار الحزب الوطني فيه، وكان دوره الثاني صالة للبلياردو ومن زبائنها المهمين حمد الباسل باشا عضو حزب الوفد الشهير.
ومن أبرز معالم بار اللواء، بقاء الشيخ عبد العزيز البشري واقفاً ببابه انتظاراً لقدوم قرينه الشاعر حافظ إبراهيم، ولينضم إليهما إبراهيم عبد القادر المازني والدكتور محمد حسين هيكل، وشاعر البؤس عبد الحميد الديب والعديد من رجال الصحافة.
«عرابي»
ومن المقاهي الشهيرة في القاهرة القديمة، والباقية إلى الآن، مقهى عرابي، والذي يقع في ميدان الجيش، عند نهاية الحسينية، وعرابي كان أحد الفتوات المشهورين في أوائل هذا القرن، وقد بلغ من سطوته آن مأمور قسم الظاهر لجأ إليه يوماً يطلب حمايته، لأن أحد الأجانب هدده، وكان الأجانب يحاكمون أمام محكمة خاصة في ذلك الوقت.
ومن رواد مقهى عرابي نجيب محفوظ، حيث كان يلتقي بأصدقائه القدامى، وزملاء طفولته، وفي هذه الجلسة التي تتم كل خميس، كانت تعلو ضحكات الأديب الكبير، ويبدو مرحاً، سريع النكتة.
ولا يطرق هذه الجلسة من الشبان إلا عدد محدود جداً عرف طريق المقهى الذي يستعيد فيه أديبنا الكبير ذكرياته وقصص شبابه مع رفاق الزمن القديم، غير أنه انقطع عن الانتظام في حضور هذه الندوة الأسبوعية بسبب أزمة المواصلات في القاهرة، التي كانت تعوقه عن الوصول إلى ميدان الجيش من بيته في العجوزة.
«برنتانيا»
كان يمثل مقهى برينتانيا، نادياً للفنانين أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، وقدمت فيه سلطانة الطرب منيرة المهدية، أغاني عديدة حتى ذاع صيته بين مقاهي ومسارح ذلك الزمان.
ويقول نجيب الريحاني: «كنت كثيراً ما أمضي أوقات فراغي متنقلاً بين قهوة برنتانيا ـ التي كانت بمثابة ناد للفنانين العاطلين، وبين مسارح عماد الدين، وكان من أصدقائي في ذلك الزمان الغابر الخواجة سليم أبيض، شقيق جورج بك أبيض، والمرحوم عزيز عيد والزميل استفان روستي وغيرهم».
ويذكر أنه بجانب المقهى في شارع عماد الدين، كان يوجد مسرح وكازينو برنتانيا، الذي مثلت عليه أغلب الفرق المسرحية التي ظهرت في مصر أوائل القرن العشرين، ومنها فرقة نجيب الريحاني وعزيز عيد ورمسيس وغيرها.
«التجارة»
يعد هذا المقهى من أقدم مقاهي القاهرة التي اجتمع فيها الموسيقيون، وهو يقع في شارع محمد علي وكان صاحبه يونانياً وجعله مقهى وباراً أيام مجد الشارع، وتفرد باحتضان الرواد من أفراد الفرق الموسيقية والعازفين وفناني المنولوج والأغاني، ومن حديثي الفن الذين يبحثون عن مكتشفيهم. كما ارتاده أيضاً سماسرة الأفراح والمناسبات المختلفة لإحياء هذه الليالي.
وأشهر الفرق التي تأسست فيه فرقة «حسب الله» أحد الموسيقيين العاملين بجوقة الخديوي إسماعيل، والذي خرج من الخدمة ليشكل أول فرقة موسيقية تتقدم الجنازات وتحيي الأفراح، وأشهر رواده الآن الريس بيدة صاحب اللحن الشهير «السح الدح أمبو»، وأيضاً العربي سلطان أحد منولوجستات الأفراح.
«كازبلانكا»
هو أحد أشهر مقاهي الفنانين في شارع عماد الدين، ويعود تأسيسه إلى عام 1948، وكان بدأ كمطعم تحت اسم الدار البيضاء «كازبلانكا»، ولكن تم تغيير اسمه منذ عشر سنوات إلى «ليالينا».
وكان يجلس عليه عبد العزيز محمود وسناء يونس، حيث كانت تقوم ببروفات مسرحية «هالة حبيبتي»، وأيضاً محمود رضا وفرقته، كما كان يجلس عليه السيناريست عبد الحي أديب ليكتب سيناريوهات أفلامه، ويوسف إدريس ويوسف السباعي، حيث خرجت أغلب مؤلفاتهما من رحم هذا المقهى الذي كان يوفر لهم جواً ملائماً للكتابة.
محمد الحمامصي



