أصبح مجرد سماع كلمة (حرير) كافياً لأن يُطلق في المخيلة سلسة من الصور والمعاني والتخيلات، حول هذه الخامة التي تحولت إلى حلم ببال الصبايا، وأثمن الهدايا، وأحد أسباب قيام الحروب بين الدول.
ورمزاً للنقاء والغنى والإغراء والفخامة، وللحرير تاريخ يعود إلى ما لا يقل عن خمسة آلاف سنة، وبات اليوم قرينة للأيدي المبدعة (الأيدي التي تُلف بالحرير) وإشارة إلى أعرق وأطول طريق للقوافل التجاريّة (طريق الحرير) وأنعم وسادة بعد حضن الأم (النوم في الحرير).الحرير هو الخيط الطبيعي الذي تنتجه دودة القز من غدتها الحريريّة، وتُصنع منه أفضل الأقمشة الحريريّة الرائعة الجمال، الناعمة الملمس، الغالية الثمن، وتعد الصين الموطن الأصلي لدودة القز، وهي أقدم دول العالم في صناعة الحرير، حيث بدأت العام 2900 قبل الميلاد، بهذه الصناعة واحتكرتها نحو 3000 سنة.
ففي عهد (فوجي) وهو أول إمبراطور للصين، كانت تربى دودة القز، وتُزرع أشجار التوت لتتغذى عليها. صدفة الاكتشاف تفيد الأساطير أن اكتشاف الحرير يرجع إلى حادثة حصلت للإمبراطورة (هسي لينغ شي) التي كانت على وشك الزواج من (الإمبراطور الأصفر) وهي في عمر 14 سنة. فعندما كانت جالسة تحت شجرة التوت، تشرب كوباً من الشاي، لاحظت ما يشبه الدودة تطفو على سطحه، وكانت هذه الدودة هي دودة القز، أو دودة الحرير في طور الشرنقة، حيث سقطت من على شجرة التوت لتستقر في كوب الشاي.
وعندما قام المهتمون الفضوليون بفك الكرة الحريرية المتمثلة بالشرنقة، وجدوا أنها تتألف من خيط متواصل طويل، قاموا بحياكته ضمن إحدى السجاجيد، لتبدأ مسيرة اكتشاف الحرير الذي بات من الأعاجيب المميزة للطبيعة. ولأهمية هذه الخامة، وقيمتها الكبيرة، استخدمت في مرحلة ما كعملة. وعرف اليابانيون سر صناعة الحرير عن طريق الأسرى صناع الحرير، أثناء الحروب في القرن الثالث قبل الميلاد.
ثم انتشرت في الممالك الآسيوية، عندما هرّبت أميرة صينية بيوض دودة القز وبذور شجرة التوت بين جدائل شعرها، على الرغم من عقوبة الإعدام لمن ينقل هذه الصناعة.
وبعدها انتقلت إلى الهند وبلاد فارس واليونان. ومع حلول القرن الثالث الميلادي، انتقلت إلى سوريا ومصر وفلسطين، لكن لم تتأسس صناعة الحرير في الغرب إلا مع حلول عام 552 ميلاديّة.
خواص الحرير
يختلف طول الخيط الحريري في الشرنقة بحسب السلالة التي تنتمي إليها، لكن متوسط طوله يبلغ نحو 800 متر، وهو مكوّن من مواد بروتينيّة مفرزة من غدة الحرير عند اليرقات. ويقاوم خيط الحرير درجات الحرارة المرتفعة، ويمكن تسخينه حتى 140 درجة مئوية، ويتحلل ويحترق في درجة 170 مئوية، ويذوب في حمض الكبريت المركز، في حين أنه يمتص الأحماض المنخفضة التركيز، فتعطيه لمعاناً متميزاً.
تعد دودة القز ملكة الحشرات الناسجة. فهي تنسج حريراً رائعاً جميلاً يُستخدم في صناعة أفضل الأقمشة، وكانت تربية دودة القز ولاتزال، من المشروعات الاقتصاديّة الزراعيّة المهمة والرابحة والسهلة التنفيذ، فهي لا تحتاج إلى رأس مال كبير، إذ تُعطي علبة بيض لدود القز بوزن 7,10 غرامات نحو 35 كيلوغراماً من الشرانق، وفي مدة تقرب من 30 يوماً.
أما جودة الحرير، فتختبر بتقدير درجة تماسكه ولونه ولمعانه وملمسه وسرعة لفه وحجمه، وبتجانس درجاته ونظافته ونسبة الرطوبة فيه.
صناعة نسائيّة
قامت الصين، وفي عهود مبكرة، بدعم صناعة الحرير، وكانت النساء يشكلن الجزء الأكبر من اليد العاملة فيها، كما كانت الوظيفة الحكوميّة الوحيدة التي سُمح للنساء بالمشاركة بها، والارتقاء في سلمها التراتبي ليصبحن برتبة (ضابط) في البلاط الإمبراطوري، كما كانت هناك قوانين تنظم شيفرة الألوان والطبقة من الشعب التي بإمكانها ارتداء الثياب الحريريّة.
وتحدد الشعارات المستخدمة المطرزة عليها، مهما كانت الموضة، ولم تك هذه الشعارات والرسوم والأشكال المطرزة فوق الثياب الحريريّة مجرد زينة أو زخرفة جماليّة، وإنما حملت رموزاً مهمة يمليها مجلس الأعيان المسؤول عن وضع التصاميم السنويّة لكل طراز جديد من هذه الثياب، مع ذلك، ولكون صناعة الحرير كانت محليّة ومنتشرة في الصين.
فقد تمكنت معظم الطبقات الاجتماعيّة من ارتداء الثياب الحريريّة، سواء المطرزة (وكانت غالية الثمن) أو الخالية من التطريزات، ومنذ نحو 5000 سنة، لم تشهد تربية دودة القز، وأساليب استخراج الخيوط الحريريّة، أي تغيرات تُذكر، وحتى الآن، يتطلب إنتاج 7 ,1 مترات مربعة من قماش الحرير 600 شرنقة.
تشعب استخداماته
يدخل الحرير في صناعة العديد من الحاجات اليوميّة، لا سيما الألبسة، وأغطية الرأس، والستائر، وأوجه الطاولات، وربطات العنق، والمناديل، والشالات، وأغطية الكراسي والوسائد والأيوانات، والسجاجيد واللوحة الفنيّة بطريقة التطريز، وأشياء أخرى كثيرة يصعب عدها وحصرها في أيامنا هذه.
ومن جانب آخر، رافقت صناعة الحرير عبر التاريخ، العديد من الأساطير، منها أنه عندما غادرت ملكة سبأ مملكتها في اليمن لزيارة الملك سليمان، دخلت البلاط الملكي مرتدية قفطاناً من الحرير الأصفر، يصحبها ألف فتاة في حلل من الحرير الدمشقي الأخضر، ومحاطة بالعبيد يحملون هدايا البخور وقطع الحرير من كل لون، وكانت هذه أثمن الهدايا والبضائع في تلك الأيام، ما يُشير إلى معادلة الحرير للذهب من حيث القيمة والأهمية، وكونه وصل إلى دمشق.
ومنها إلى اليمن، يعني أن الصين لم تتمكن من احتكاره بشكل مطلق، لكن يصعب تحديد الزمن الذي خرج فيه الحرير من السيطرة الصينيّة إلى الشعوب والأمم، لكن يُعرف أنه لفترة 1000 سنة ماضية، جرى نقل البضائع الحريريّة وغيرها من الصناعات والمشغولات النفيسة، عبر (طريق الحرير) التي تجاوز طولها 6000 ميل، وهي تبدأ من الصين وتنتهي إلى البحر الأبيض المتوسط، وعلى جانبيها هذه الطريق التي شغلتها القوافل،نهضت استراحات تحولت في ما بعد إلى قرى ومدن غنيّة ومزدهرة.
طريق الحرير
تعتبر (طريق الحرير) من أشهر وأهم الطرق التي ربطت بين شعوب العالم القديم، وتتألف من شبكة مكونة من مجموعة دروب ومسالك ومسارات بريّة ممتدة من الصين (المصدر الأصلي للحرير الطبيعي) إلى روما.
واختلف المؤرخون في تحديد بداية قيام هذه الطريق، فبعضهم يعيدونها إلى القرن الثاني قبل الميلاد، بينما يرجح الآخرون قيامها في عهد فتوحات الإسكندر المقدوني في القرن الرابع قبل الميلاد، أما تسميتها بطريق الحرير فهي تسمية حديثة العهد، أطلقها عليها الباحث الألماني (فرديناند فون ريختهوفن) في القرن التاسع عشر الميلادي، بعد رحلاته المتكررة إلى الصين وجوارها.
وتحظى (طريق الحرير) في أيامنا هذه، باهتمام وتشجيع المنظمة الدولية للتربية والثقافة والعلوم (اليونسكو). وقد عقدت عدة مؤتمرات وندوات علميّة دوليّة في العقد الأخير من القرن الماضي، في كل من تدمر وحلب ودير الزور في سورية، لدراسة طريق الحرير تاريخياً وأثرياً وحضارياً.
كما تعمل جمهوريات آسيا الوسطى على إحيائه، بإنشاء شبكة خطوط حديديّة تربط شرق آسيا بمناطق بحر الخزر والبحر الأسود والخليج العربي، عبر الأراضي الإيرانيّة.
محمود شاهين


