عام 2010، باعتقادي أكثر السنين التهاماً للمبدعين، الأخبار تتسارع عن رحيل المبدعين، حتى لا نجد وقتاً بين وداع صديق حتى نتلقى خبر رحيل آخر.
آخر ما فقدت من الأصدقاء الكاتب المسرحي محيي الدين زنكنة، الذي رحل يوم السبت 21 أغسطس الماضي..
وهو كاتب عراقي من أصل كردي، لكنه يعتبر من بين أهم كتاب المسرح العراقي خلال النصف الثاني من القرن الماضي، وإذا كان قد ولد في كركوك من أصول كردية، إلا أنه كان عربياً في المنشأ والثقافة والمرجعية، ولعله أفضل كتاب المسرح العربي إطلاقاً في استعمال اللغة العربية الفصحى.
كان زنكنة عراقياً بامتياز، بل كان إنساناً، كتب للوطن أجمل المسرحيات دون أن ينسى أن شخصياته وطنية إنسانية، وكان وعيه المبكر سبباً في تعرضه للكثير من المآزق التي واجهت حياته اليومية.
بدأ مواجهة عناصر الظلام مبكراً، لذا ذاق مرارة الاضطهاد والاعتقال وهو في بداية طريقه الإبداعي وقبل إكماله الدراسة الجامعية.
محيي الدين زنكنة رغم كل هذه المواقف الفكرية الإنسانية، إلا أنه لم ينقد إلى الكتابة المباشرة، لا في المسرح ولا في نتاجه الروائي والقصصي، وكانت مسرحياته عنوان نجاح في كل العروض التي شاهدها المسرح العراقي في سنين تجلياته الستينية والسبعينية من القرن الماضي، ابتداء من مسرحية «السر» عام 1968 ثم «الجراد» عام 1970، التي كان يصرخ بالناس قبل أن تحل الكارثة، وكأنه كان يستشرف المستقبل، ويحذر الناس من سيطرة سلطة جديدة نادرة في تسلطها وجبروتها، إلا ان أحداً لم يلتفت لصيحته.
ثم مسرحية «صفوان والخياط اليهودي»، وإسقاطاتها على الأجواء السياسية، ثم مسرحية «الإجازة» التي جاءت في وقت شديد الحساسية والأهمية التاريخية، وسيل التصفيات الجسدية للنظام العراقي السابق، ثم توالت كتاباته، فأصدر «اليمامة» عام 1980، و«مساء السعادة أيها الزنوج البيض» 1981، و«العلبة الحجرية» عام 1982، والتي كانت من أوائل الأعمال المسرحية الإبداعية التي عنيت بالعراقي المنفي إكراهاً.
مسرحيات زنكنة أخرجها كبار المخرجين العراقيين أمثال عزيز خيون، وعوني كرومي، كما كتب أكثر من 4 روايات ونحو 3 مجاميع قصصية، وللمسرح كتب ما لا يقل عن 15 مسرحية تعتبر طليعة في المسرح العراقي الحديث.
محيي الدين زنكنة الكاتب المسرحي العربي، المولود في كركوك، والذي جعل لغته العربية سفيراً لفكره ولإنسانيته، كان عراقياً باعتزاز وفخر، لذا فالمسرح العراقي خسر أحد فرسانه الكبار الذين شكلوا ذاكرة التاريخ الإبداعي المسرحي المعاصر.
