تأتي صورهم باللونين الأبيض والأسود كأنها من عالم آخر، صور تبهت إضاءتها ويشح بريقها، ولكنها رغم ذلك مليئة الشجن، ليس لأنها ذكرى فقط، بل لأنها طاقة زمن أقفل أبوابه دون رجعة، لذلك ترانا نشاهد صورهم وكأننا نتحسر على ما مضى من عالم نعتقد أنه كان أفضل من عالمنا، أو على الأقل كان أكثر عذوبة مما نحن فيه من قسوة، تلك الصور ليست في ألبوماتنا العائلية فقط، بل في الصحف والمجلات وعلى الحائط أيضا، ولكن أجملها ما استقر في الذاكرة، وذهب عميقاً في الوجدان.

انظروا مثلاً إلى صورة مدنكم قبل خمسين سنة، بشوارعها الهادئة وبسياراتها القليلة، ومحلاتها الواسعة، بيوتها التي زخرفتها يد فطرية، أشجارها التي ظللت الأرصفة، انظروا إلى تلك اللقطة التي وثقت الزمن واستمعوا لسمفونية صاغتها حياة ناعمة، قَل فيها اللهاث خلف ماديات اليوم، انظروا إلى ثياب أنيقة لأشخاص تركوا أسلوب عيشهم البسيط وراحوا في النسيان، وتساءلوا معي لماذا انفجرت الحياة كغمامة غبار، وتكدست مفرداتها في المكان كقفير نحل، وإذا عجزتم عن الجواب فهذا يعني شيخوخة معرفية، لأننا غير قادرين على تشخيص حالتنا.

صورة الأبيض والأسود في التلفزيون تعيد إلينا إيقاع زمن الأمس، فهي قليلة العنف، لا يوجد فيها دم أحمر أو بريق حرب، فيها لعبة الضوء والظل، حيث الفن رهان لإقناع المشاهد بما يرى، وفيها فسحة لامتحان الذكاء، عندما يساهم المشاهد في صناعة المشهد وتحليل ألوانه معتمداً على خياله لبناء المغزى، صور فيها معان عديدة لعالم من قصص تعطي نصف الحقيقة.

وعلينا أن نبحث عن النصف الآخر، وهو ما لا تفعله صورة اليوم بألوانها وعنفها وطيف حقيقتها الجارحة، صورة اليوم كاملة الدسم؛ تصيب المشاهد بالتخمة وعسر الهضم، ولا تترك له الخيال ليسرح بحثاً عما وراء المشهد، إنها صورة شديدة القوة؛ تبطش بالعين.

في ذاكرتنا صور صداها معلق بما هو عاطفي، بما هو وجداني هامس، صور بلا ضجيج، كلما أمعنا النظر فيها تداعت خلفها صور أخرى لأمس نراه بحب، ونتحسر على رحيله، وكأن ماضينا القريب قطعة من حلوى الذكريات، تذوب في الوجدان كلما نظرنا إليها ملياً، ونحن نخاف من توقف طاقتها الروحية أو من نضوب معانيها.

hussain@albayan.ae