أولت الأستاذة الجامعية الأميركية جوانا ستالناكير اهتمامها الأساسي لدراسة عصر التنوير الأوروبي. وبعد أن كتبت عنه سلسلة من المقالات والدراسات في الصحافة الأميركية كرّست له كتابها الأول له تحت عنوان: «عصر التنوير غير المكتمل».

وتشير المؤلفة بداية أن تعبير «عصر التنوير» أو «قرن التنوير» يدل على القرن الثامن عشر انطلاقا من فرنسا. وصفة «التنوير» هذه تدل عامة على «انتصار العقل على الظلمات».

لكنها تدل أيضا على الحقبة التي طال فيها النقد المجتمع والسياسة والعقائد والعلوم، الأمر الذي كان بمثابة الإعلان عن تبدّلات جوهرية على المستوى الفكري عامة.

ويتم التأكيد في هذا الإطار على الدور الذي لعبته الموسوعة «الانسكلوبيديا» التي أشرف على إعدادها ديدرو وساهم فيها العشرات تبعا لاختصاصاتهم في التحضير للثورة الفرنسية الكبرى عام 1789. وبفضل أشكال التغيير التي عرفها القرن الثامن عشر أطلق البعض على تلك الحقبة تسمية «الفترة الثقافية في أوروبا».

وتقول المؤلفة في «توصيف عصر الموسوعة» كما يقول العنوان الفرعي للكتاب، أنها «قاموس عقلاني للعلوم والفنون والحرف»، وأنها تمثل أحد الأعمال الفلسفية الرئيسية ـ كان أغلبية المساهمين فيها هم من الفلاسفة ـ التي سمحت بتغيير «الذهنيات» وبتشجيع «التحولات السياسية» التي عرفها القرن الثامن عشر.

وكانت الأفكار الرئيسية التي دافع عنها «الموسوعيون» تتمثل في الحرية والعقل والتسامح والمساواة والتقدم ورفض الاستبداد، مهما كان مصدره.

بكل الحالات تؤكد التحليلات المقدّمة القول أن «عصر التنوير» أو «قرن التنوير» يعبر عن حركة فكرية وثقافية وعلمية أصبحت مرادفة «تاريخيا» للقرن الثامن عشر. وهناك نوع من الاتفاق على تحديد بداياتها في نهاية حكم لويس الرابع عشر عام 1715 ووصول لويس الخامس عشر إلى السلطة في فترة كانت تعاني فيها فرنسا من مشاكل مالية كبيرة.

وزادت تلك المشاكل مع تولي لويس السادس عشر للعرش عام 1774. وفي مثل تلك الأجواء انتشرت الأفكار التنويرية لتندلع بعدها الثورة عندما استولى الباريسيون على سجن «الباستيل» الشهير عام 1789.

ولم يكن الفلاسفة ومفكرو التنوير يكتفون بالتنظير والكتابة لكنهم اعتبروا أن الأمر يتعلق بمواجهة حقيقية وأنه ينبغي خوضها ولو كان ثمن ذلك هو السجن.

هكذا كان ديدرو قد أمضى شهورا عديدة وراء القضبان بسبب الأفكار التي احتوت عليها «الموسوعة». وكان قد أمضى هو وزميله «دالامبير» أكثر من 20 سنة في إعداد مجلّداتها ال28، بالإضافة إلى 11 مجلّدا لوسائل الإيضاح في مختلف مشارب المعارف والعلوم.

ومن أهم فلاسفة عصر التنوير الذين تتعرّض المؤلفة لدراسة أفكارهم هناك مونتسكيو وفولتير وروسو وبومارشيه، هذا بالإضافة إلى ديدرو. هؤلاء المفكرون وغيرهم شكّلوا «نخبة بورجوازية» يلتقي أعضاؤها، على اختلاف مشاربهم، خاصة في «صالونات» أدبية انتشرت كثيرا آنذاك.

وكانت وراء تنظيمها، على الأغلب، نساء ينتمين أيضا إلى الشرائح البورجوازية مثل «مدام دوفان» و«مدام لامبير» وغيرهما.

وإذا كان عصر التنوير قد شهد ولادته في «فرنسا» خلال القرن الثامن عشر. فإن أطروحاته وجدت امتداداتها على الصعيد الأوروبي، بل على الصعيد العالمي كله، وذلك تثبيتا لفكرة سادت آنذاك حول الانتماء الكوني ـ يونيفرسال ـ لأفكار التنوير.

وكان فلاسفة عصر التنوير قد اجتمعوا حول العمل من أجل تنفيذ ثلاث مهمات أساسية يتم تحديدها بالتالي: «العمل على نشر الحقيقة»، أي ما كانوا يعتبرون أنه يمثل الحقيقة، و«عدم قبول الأحكام المسبقة» و«محاربة الأخطاء الشعبية» الشائعة.

وتشرح المؤلفة أن عصر التنوير الفرنسي خاصة، والأوروبي عامة، شهد «استقطابا» بين العلم والأدب. مثل هذا الاستقطاب يجد امتداده في «استقطاب حديث» يأخذ في «الوصف العلمي» بميدان الرواية صيغته الجديدة. هذا اعتبارا من أواسط القرن التاسع عشر مع زولا وبلزاك وبوفاري. تتم الإشارة في هذا السياق إلى أن أعمال «الموسوعيين» لم تبدِ أية أهمية، بل إنها لم تأت على ذكر، الرواية بينما ركّزت على المقالات الخاصة بالتاريخ الطبيعي والهندسة والشعر.

ومن خلال المزج بين البعد التاريخي والنقد الأدبي والبحث الاجتماعي والدراسة اللغوية لخطاب عصر التنوير تبيّن مؤلفة هذا الكتاب أن تلك الحقبة شهدت «توترات عميقة» على الصعيدين الأدبي والعلمي بدت انعكاساتها واضحة في أعمال الموسوعيين أنفسهم.

الكتاب: عصر التنوير غير المكتمل

تأليف: جوانا ستالانكير

الناشر: جامعة كورنيل 2010

الصفحات: 232 صفحة

القطع: المتوسط

The unfinished enlightenment

Joanna Stalanker

Cornell University Press - 2010

232 p