كان «السروال» - البنطلون - رمزا للذكورة في المجتمع الفرنسي، وبالتالي كان رمزا للسلطة، وكانت عملية ارتدائه من قبل النساء مرادفة للنضال من أجل اكتساب الحقوق السياسية. هذا ما تشرحه المؤرخة الفرنسية والأستاذة الجامعية كريستين بارد في كتابها الصادر قبل أسابيع قليلة تحت عنوان: «تاريخ سياسي للسروال».
وتشرح المؤلفة أن «السروال» أخذ دلالة محددة أكثر مع قيام الثورة الفرنسية الكبرى عام 1789، إذ أصبح يعبّر عن قيم جمهورية في النظام السياسي الجديد. ولكن ارتداءه ظل حصرا على الرجال. ذلك أن «النظام القديم» استمرّ «على صعيد الملابس» بالنسبة للنساء اللواتي كان من الممنوع عليهن ارتداء السروال..
ومما لا يعرفه كُثر هو أن ارتداء المرأة الفرنسية للسروال على الطريقة الرجّالية، خاصة العاملة في الحقل السياسي والحقل العام عامة، حديث العهد تماما.
ويكفي سرد الحادثة التالية التي جرت عام 1972 ومفادها أن إحدى المستشارات في مكتب «ادغارفور»، وزير الشؤون الاجتماعية آنذاك، أرادت أن توصل «رسالة» لوزيرها الذي كان في مبنى الجمعية الوطنية «البرلمان». عندما وصلت إلى الباب منعوها من الدخول بسبب لباسها. وأمام إصرارها سُمح لها بالدخول، ولم تكن تلك السيدة سوى ميشيل اليوت ماري، وزيرة العدل الحالية ووزيرة الداخلية والدفاع في الحكومات الفرنسية السابقة.
مثل هذه الحادثة تدفع المؤلفة إلى القول إن ارتداء المرأة للسروال لم يكن محبّذا لفترة تعود إلى أربعة عقود من الزمن بالكاد. بل يُنقل عن الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك أنه عندما كان رئيسا للوزراء عام 1976، أشار لوزيرة التربية آنذاك السيدة اليس سانييه-سايتي، أنها «تحط من قيمة وظيفة فرنسا ومن صورتها» بقدومها مرتدية السروال إلى اجتماع مجلس الوزراء.
وتشرح المؤلفة أن السروال كان «مكسبا ديمقراطيا» للرجل حصرا مع الثورة الفرنسية، لكنه أصبح رمز نضال مستمر بالنسبة للمرأة منذ ذلك الحين. وتؤكد على ضرورة التمييز بين الكلمة وبين «الشيء الذي تدل عليه».
الكلمة قديمة وموجودة منذ القديم. وكان «الغاليون»، سكان بلاد الغال، يرتدون نوعا منه حيث كان الرومان يرون فيه دلالة على «دونيتهم الثقافية». وكان العمال قد ارتدوا عبر الحقب سراويل طويلة أو عريضة أو لاصقة بالجسد. أما كلمة «بنطلون» فقد جاءت إلى اللغة الفرنسية من «البندقية» وتحديدا من شخصية مسرحية لعجوز بخيل كان يرتدي سروالا طويلا يسمّى «بنطلون».
وتبدأ المؤلفة تأريخها «السياسي» للسروال منذ الثورة الفرنسية التي أعطت له دلالة جديدة، بل جعلت منه «رمزا جمهوريا» باعتباره «لباسا موحّدا» لسلطة الرجال- حيث غدا لباس «الشريحة العليا من المجتمع» بينما كان قبل الثورة هو لباس «المهزوم والبربري والفقير والفلاح والبحّار وصاحب الحرفة والطفل»، كما نقرأ.
لكن مقابل ارتداء «السروال» بمدلوله الجديد تخلّى الرجال عن اللجوء إلى «الألوان الصارخة» وعن «إظهار سيقانهم عارية». وترى المؤلفة أن «الثورة الفرنسية ذهبت باتجاه «تحرير الجسد» ولكن ليس خرق ما هو مقبول اجتماعيا حوله.
وفي شهر نوفمبر-تشرين الثاني من عام 1800 أصدرت محافظة شرطة مدينة باريس تعليمات تمنع النساء «التشبّه بالرجال» على صعيد اللباس. وعزز «القانون المدني» الذي أصدره نابليون عام 1804 السلطة الذكورية. هذا مع استثناء واحد صدر عام 1806 للمرأة التي «تمتطي الجواد» أو بناء على «تقرير طبي».
وتشرح كريستين بارد أن النزوع نحو «حرية ارتداء الملابس» طرحته أيضاً ? النزعات الطوباوية في القرن التاسع عشر ومضى في نفس الطريق بعض الكتّاب والفنانين.
لكن بقي التيار السائد هو الذي يمثله الفلاسفة والعلماء ورجال السياسة والذي أكد وجود «فرق هائل في الطبيعة بين الجنسين». وبالتالي أكد «ضرورة احترام القانون الطبيعي» وما يترتب على ذلك من منع النساء ارتداء السروال ومن ممارسة النشاط السياسي.
وتذكر مؤلفة هذا الكتاب العديد من النساء الأوروبيات اللواتي كنّ من بين الأوائل في ارتداء السروال. وتشير إلى أن التاريخ القديم وتاريخ العصور الوسطى قد عرف أمثلة لنساء ارتدين ثياب محارب مثل «جان دارك» أو ثياب فارس مثل «كريستين السويدية». لكن المؤلفة تركز على النساء في القرن التاسع عشر.
وهنا يتم ذكر الأديبة جورج صاند والرسامة روزا بونور وعالمة الآثار جان ديولافوا والطبيبة مادلين بولوتييه. هؤلاء النساء جميعهن قمن بعملية «خرق القانون الاجتماعي السائد». تتم الإشارة في هذا السياق إلى «الفائدة الاقتصادية» من ارتداء السروال بسبب الكلفة الأقل للباس «الرجالي».
وتتعرّض المؤلفة لذكر قضية الرياضية الفرنسية الشهيرة «فيوليت موريس» خلال سنوات الثلاثينات في القرن الماضي (العشرين). وكانت قد أثارت حفيظة مسؤولي الرياضة النسائية بسبب شعرها القصير جداً ولباسها «مثل الرجال»، هذا إذا لم تكن ب«السروال القصير» على أرض الملعب. وأنها «تدخّن التبغ بشراهة». لكن فيوليت موريس خسرت القضية في النهاية ضد الفدرالية الفرنسية للرياضة النسائية. مع ذلك من النادر أن كان قد تمّ نقاش «حق ارتداء السروال» للنساء بذلك القدر سابقا أمام المحاكم.
أما أولى النساء «السياسيات» الفرنسيات اللواتي ارتدين السروال «الرجالي» فتذكر المؤلفة منهن أليس سونييه- سايتي، وزير التربية عام 1976ـ التي تلقت «توبيخ» رئيس الوزراء شيراك ? كما أشير سابقا-، ولكنها تلقت «إطراء» الرئيس الفرنسي عندها فاليري جيسكار ديستان على «أناقتها».
وكانت النائبة الشيوعية شانتال لوبلان أول امرأة «تفرض» ارتداء السروال داخل البرلمان عام 1978. وترى المؤلفة أنه يمكن «إيجاد صلة» بين «الزي الرجّالي «للسيدة ميشيل اليوت ماري وتوليها وزارة الدفاع الفرنسية خلال سنوات 2002-2007.
وتصل المؤلفة في تحليلاتها إلى القول إن «السروال» بدأ بإحداث نوع من التبدّل في موازين السلطة بين الجنسين. هذا على الرغم من أن تعليمات محافظة شرطة باريس لعام 1800 حول منع «تمويه النساء» عبر «التشبّه بالرجال» يلبس السروال ولا يزال ساري المفعول «قانونياً». أما في الواقع فقد «انتصر» السروال بالنسبة للجيل الجديد من الفتيات.
الكتاب: تاريخ سياسي للسروال «البنطلون»
تأليف: كريستين بارد
الناشر: سويل باريس 2010
الصفحات: 290 صفحة القطع: المتوسط
Une histoire politique du pantalon
Christine Bard
0102 -siraP - liueS
290 p
