روسيا بلاد لها مكانة خاصة في خيال الفرنسيين. وكان العديد من أدباء فرنسا ومفكريها قد كتبوا عنها منذ إمبراطورية القياصرة وحتى الاتحاد السوفييتي السابق، ومن الكسندر دوما حتى اندريه جيد، ووصولا إلى الصحافي دومينيك بومبيرجيه الذي خصها بكتابه الأخير «هذه هي روسيا».
كان برومبيرجيه قد بدأ إقامته المتكررة والطويلة في روسيا منذ عام 1967، كما يشير في مقدمة كتابه، وكان قد حرص على أن يتعرّف على الروس العاديين بعد تلك الفترات التي أمضاها في روسيا ب«دواعي المهنة». وعن روسيا «العميقة» والروس «العاديين» الذين قابلهم في طول البلاد وعرضها يقدّم هذا العمل.وكان المؤلف قد قرر أن يسافر «وحيدا» باستمرار في ربوع روسيا خلال رحلته في ربيع عام 2009. يكتب: «لقد سمحت لي تلك الرحلة أن أزور للمرة الأولى، أو تكرار الزيارة، لخمسة عشر مدينة في روسيا وللتوقف طويلا في الأرياف التي لم أكن أعرفها جيدا من قبل.
وقد التقيت غالبا في المدن أو في القطار ببشر أو صادفت مناظر أعادت لي ذكريات زياراتي السابقة إلى بلاد السوفييت التي كنت قد قمت بها لإجراء تحقيقات خلال سنوات الثمانينات والتسعينات (...). وعندما غادرت البلاد وعدت نفسي بالعودة إليها قريبا للقاء شعبها الطيّب من جديد ولرؤية إذا كان تاريخها الحديث قد اكتمل والذي لم يكن حتى آنذاك سوى سلسلة من الفتوحات في إطار تاريخ من الكوابيس الطويلة ومن أشكال العنف الوحشي».
لقد أراد دومينيك بومبيرجيه، كما يقول، أن ينظر جيدا ويصغي جيدا «في عالم تسعى فيه جميع البلدان إلى التغيير» ثم يسأل: «لكن هل تكون روسيا هي البلد الوحيد الذي لا يريد أن يتغيّر«؟ الإجابة المختزلة والمعبّرة التي يقدمها تكمن في القول إن «روسيا هي بلاد لا تزال في طور النقاهة».
ويكمل النصيحة بالقول إنه ينبغي أولا وأساسا استخدام وسائل النقل العام وتجنّب النوم في فنادق بل عند الناس العاديين، وأيضا تجنب «الرسميين» والاستماع إلى الناس وهم يتحدثون على طبيعتهم وليس القيام بنوع من الاستجواب الصحفي أو غيره. ويؤكد أنه عندما يبقى المرء ثلاثة أو أربعة أيام مع نفس الأشخاص في قاطرة أو منزل من النادر أن لا يعرف شيئا هاما عن حياتهم وعن بلادهم. والروس يرددون مقولة أنه «لا يمكن لأحد أن يفهم روسيا بعقله».
ومن الأسئلة المطروحة ويحاول المؤلف أن يجيب عليها بالاعتماد على ما شاهده وسمعه: هل طوت هذه البلاد الشاسعة كقارة صفحة التاريخ السوفييتي؟ وهل هي في مسار سيقودها إلى التفكك؟ وهل ستفاجئ العالم عبر قبولها أخيرا أن تلعب نفس الأوراق وتطبق نفس القواعد المعمول بها في البلدان الأخرى؟ وهل ستتوقف عن رؤية في الآخر العدو باستمرار؟
الصورة التي تبدو عليها ملامح روسيا من خلال ما يكتبه المؤلف عن روسيا هي أنها بلاد «غنية ومتألمة» بالوقت نفسه في السياق الحالي. إنها بلاد تمتلك جميع الثروات الطبيعية من بترول وغاز ومعادن ثمينة أخرى في حدودها التي تضم 17 مليون كيلومتر مربع. ويمكن لثروتها الخشبية أن تسدّ حاجة العالم أجمع من هذه المادة.
ويمكن لأنهارها من «الدون» إلى «الفولغا» وحتى «اينيساي» في سيبيريا أن تؤمن الطاقة الكهربائية لآسيا كلها. ومع ذلك كله إنها تجد صعوبة كبيرة في أن «تشفى نهائيا» من الحقبة الشيوعية التي استمرت عدة عقود ثم من فترة «النهب» التي استمرت بعدها كم قبل المتسلقين على السلطة.
وعبر التوصيفات التي يقدمها المؤلف لهذه المدينة الروسية أو تلك، يحاول رسم الواقع الروسي اليوم. هكذا يكرس العديد من الصفحات لبلدة «اكاديمغوردوك» الواقعة في الغابات السيبيرية والتي كانت قد بُنيت في سنوات الستينات من القرن الماضي ?العشرين- كي «تستقبل أفضل علماء الاتحاد السوفييتي»، كما يحدد المؤلف القول.
ويضيف: «في هذا المكان جرى إعداد الإنجازات العلمية الرئيسية التي سمحت للاتحاد السوفييتي أن يحقق سبقا كبيرا على العالم الغربي في الميادين العسكرية والفضائية. واليوم من هذا المستودع المدهش للأدمغة تأخذ الجامعات الأميركية ما تحتاجه».
ويشير المؤلف مرات عديدة وبأشكال مختلفة إلى «الحذر» المتأصل في أذهان الروس حيال الأوروبيين الذين «لا يبذلون جهدا» من أجل فهم بلاد القياصرة سابقا. ويشير أيضا أن أولئك الأوروبيين الذين يتوجهون نحو روسيا «لا يفعلون ذلك عامة من أجل اكتشاف البلاد. إنهم يذهبون إليها كي يثبتوا بأذهانهم الأفكار المسبقة لديهم عنها».
كذلك يعود المؤلف في توصيفه لروسيا الحالية إلى «تلك الروايات المضحكة» التي قدّمها كتّاب فرنسيون كبار عن الاتحاد السوفييتي السابق من أمثال هنري باربوس ولويس اراغون، الذين «لم يريدوا رؤية البؤس ولا الرعب الذي عرفته الحقبة الستالينية والذين انبهروا بزيارة المزارع التعاونية والمصانع النموذجية».
تتم الإشارة في هذا الإطار إلى الروائي «اندريه جيد» صاحب رواية «الأغذية الأرضية» الشهيرة الذي لم يغب عنه الواقع السوفييتي وكتب مقالا نقديا بعد عودته تحت عنوان: «عائد من الاتحاد السوفييتي» جرّ عليه عداء المثقفين «اليساريين».
الكتاب: هذه هي روسيا
تأليف: دومينيك برومبيرجيه
الناشر: اكت سود باريس 2010
الصفحات: 326 صفحة
القطع: المتوسط
C-est ça la Russie
Dominique Bromberger
Acte Sud - Paris - 2010
326 p

