كان المؤرخ المؤلف قد كتب سابقا سيرة حياة بلزاك وهوغو ورامبو. وهو يكتب اليوم عن نابليون الأول. بل لقد اختار أن تكون نقطة الانطلاق الأساسية في تأريخه للعاصمة الفرنسية هي عام 1787، أي قبل عامين من الثورة الفرنسية الكبرى عام 1789.

كذلك يكتب عن مارسيل بروست صاحب العمل الروائي الشهير «البحث عن الزمن الضائع، وعن ماري انطوانيت عندما ضلّت الطريق في شوارع باريس، وعن هتلر وهو «يتمشى عند الفجر» إلى جانب قوس النصر في جادة الشانزيليزيه.وإلى جانب هذا كله يؤرخ غراهام روب لحارات باريس العتيقة وأزقتها ومطاعمها الصغيرة التي «لا يؤمّها سوى أبناء الحي الذي تتواجد فيه».إنّه يؤرخ للبشر العاديين وكل الأشياء الصغيرة التي ساهمت في صياغة ماضي باريس.إن المؤلف ـ المؤرخ الذي كان قد قام ب«اكتشاف فرنسا»، كما جاء في عنوان كتابه السابق يتحوّل في هذا العمل نحو باريس ويبيّن لقارئه الأسرار الكامنة وراء برج ايفل ومتحف اللوفر ومقهى فلور والدوماغو وساحة مونمارتر.

هذه الأماكن كلها لها حكاياتها «الغريبة» أحيانا والتي يرويها المؤلف بالتفاصيل بحيث أن من يعتقد نفسه «عارفا» بهذه المدينة يجد نفسه مدعوا لإعادة النظر في الكثير من معلوماته، باتجاه تعميقها.

ومثل أولئك الذين كتبوا قبله عن باريس يشير غراهام روب أن تاريخ هذه المدينة هو بدرجة من الاضطراب والغنى والكثافة بحيث أنه من المستحيل تقديم تاريخ كامل مكتمل لها.

ولذلك اختار، كما يقول، أن يقدم تاريخها عبر سلسلة من الحكايات المأخوذة من أحداث الواقع ومن القصص «خلف الأبواب» وسجلاّت الشرطة وعالم الإجرام وبنات الهوى والثوريين والشعراء والجنود والجواسيس.

وعبر التوليف بين هذه الحكايات كلها يرسم ملامح «شخصية المدينة» ويؤرخ لها منذ القرن الثامن عشر حتى اليوم. وهو بهذا كله حقق الهدف الذي أعلنه في بداية الكتاب وهو «إحياء متعة التأمل بباريس» بالنسبة لقارئيه.

وفي مقدمة الكتاب أيضا يكتب المؤلف: «إن الأبواب المغلقة في مساحات البيوت الداخلية هي سمة باريسية خالصة». والفصول ال19 اللاحقة هي محاولة الولوج وراء هذه الأبواب وسبرها ب«نظرة» تتجاوز المشاهدة العادية.

من هنا يأتي توصيف: «تاريخ مغامر» في العنوان الفرعي للكتاب. وهو «مغامر»، ذلك أن المؤلف لا يقدم «سيرة» تقليدية كلاسيكية، لباريس ولكنه يتصرف وكأنه رحالة يبحث في خبايا عدة قرون من تاريخ المدينة.

الملفت للانتباه هو أن فصول هذا الكتاب تبدو وكأنها لا تملك رابطة بينها ولكنها تجد هذه الرابطة تحديدا في وحدة المكان والتاريخ. وما يؤكده المؤلف بأشكال مختلفة هو أنه ليس هناك من يعرف تاريخ مدينة أكثر من سكانها. وهم الذين يروون ما عرفته من دسائس سياسية ومحاولات اغتيال وعمليات قتل وغير ذلك من أحداث.

المؤلف يصطحب قارئه ل«العيش لحظات» مع الباريسيين في السياقات التي تواجدوا فيها. ويشرح المؤلف أن هذا يمثل طريقة ممتعة لكتابة التاريخ. بل هي طريقة لدفع الآخرين لكتابة التاريخ وليس عبر «صوت المؤرخ» فقط.

وإذا كان المؤلف يتحدث كثيرا عن مشاهير فإنه يرفع أيضا النقاب عن آخرين «مجهولين» و«نسيهم التاريخ». هكذا يتكلم عن «غيّوم»، المهندس المعماري الذي «أنقذ باريس».

ذلك عندما اكتشف عام 1777 أن جزء من الحي اللاتيني «مهدد بالانهيار القريب». «غيّوم» هذا، لا يحمل أي شارع، وليس هناك أي تمثال له، في باريس، كما يقول المؤلف. لكنه هو الذي أشاد تحت شوارع باريس أكبر صرح معماري في أوروبا وحمى أحد أحيائها من الانهيار.

ويشرح المؤلف في حكاية أخرى أن رواية «كونت مونت ـ كريستو» قد اكتشفها » في خزائن شرطة باريس موظف أرشيف باريسي اسمه «جاك بوشيه. لكنه توفي قبل أن ينشرها، ثم حوّلها الكسندر دوما فيما بعد إلى طبعتها المعروفة.

ما يؤكده المؤلف هو أن الكتّاب والمبدعين قدّموا الكثير لباريس، وخاصة هوغو وبلزاك وبودلير وزولا، لكنه يختار عنوان أحد فصوله جملة: «مارسيل ـ بروست ـ في المترو». علما أن الكاتب لم تطأ قدماه مترو باريس. ولكن كانوا يحفرون نفق المترو تحت بيته بل وكانت «الروائح» في ذلك البيت شبيهة بتلك التي كانت تفوح في نفق المترو.

يبقى «السائح» الوحيد الذي يتحدث عنه المؤلف في أحد الفصول هو «ادولف هتلر». ويشير إلى أن «الفوهرر» كان ينظر إلى باريس على أنها «الموديل» القادم لبرلين. ولكنه كان يرى كل شيء فيها «صغيرا»، ولهذا لم يدمّرها. وينقل عنه قوله: «عندما سننهي بناء برلين لن تكون باريس سوى مجرد ظل. فلماذا نقوم بتدميرها«؟

الكتاب: الباريسيون، تاريخ مغامر لباريس

تأليف: غراهام روب

الناشر: بيكادور لندن 2010

الصفحات: 320 صفحة

القطع: المتوسط

Parisians، erutnevda natsih02 -nodnoL -rodaciP

320 p