ما هو دور المثقف في مجتمعه؟ لقد أثار هذا السؤال الكثير من النقاشات، والباحث والأستاذ الجامعي الأميركي «توماس سويل» قدّم مساهمة في هذا الإطار عبر كتاب يحمل عنوان: «المثقف والمجتمع».
الملاحظة الأساسية التي ينطلق منها المؤلف في تحليلاته تتركز على القول إن تأثير المثقفين في مجتمعاتهم لم يكن في أي حقبة سابقة بمقدار ما هو عليه الآن.
وليس هذا فحسب ولكن دور المثقفين يأخذ صيغة مختلفة جداً عن تلك التي عرفتها الحقبة المنصرمة حيث كان المثقفون قد حاولوا التأثير مباشرة على أصحاب القرار السياسي وغيرهم من القادة في مجتمعاتهم.
المثال الأبرز الذي يضربه المؤلف لذلك النمط من المثقفين يجده في «مكيافيللي» الذي أراد أن يلعب دوراً سياسياً «مباشراً» عبر توجيه القادة السياسيين في زمنه.
الوسيلة الرئيسية التي يحاول المثقفون عبرها التأثير على أصحاب القرار في السياق الراهن يحددها المؤلف ب«الرأي العام»، الذي يكتسب أهمية متزايدة أكثر فأكثر في المجتمعات الديمقراطية. والجديد أيضاً هو أن المثقفين لم يعودوا يولون أهمية كبيرة لمدى موافقة، أو عدم موافقة، السلطات القائمة على ما يطرحونه من آراء.
ويقدم المؤلف العديد من الأمثلة التي اضطر فيها رؤساء الحكومات في البلدان الغربية على الانصياع لمستلزمات المناخ الذي ساهم المثقفون في صياغته، هذا مهما كانت درجة احترام أو ازدراء أولئك الرؤساء للمثقفين.
إن مؤلف هذا الكتاب لا يدرس دور المثقفين في المجتمعات السابقة فحسب، لكنه يحلل أيضاً الصعوبات التي تواجهها أفكارهم في السياقات التي يتم طرحها فيها. كما يتعرض بالتحليل للأفعال المترتبة على أفكارهم إيجابا أو سلبا أو تحليل مواقفهم حيال الكوارث التي لم تكن تلك الأفكار بعيدة عنها.
ومن الأفكار الرئيسية التي تتردد في هذا الكتاب التأكيد أن الأفكار الصادرة عن مثقفين ذوي مصداقية يمكنها أن تكون ذات آثار «ملموسة» و«واقعية» و«مادية» في حياة البشر.
وهذا صحيح، برأيه، في زمن السلام وفي زمن الحرب، وفي الاقتصاد كما في العقائد. ثم إن «شعلة الأفكار» كانت قد «أضرمت النيران في أمم كاملة وقضت على أجيال». وهكذا كان هتلر مثلا مأخوذا بفكرة «تفوّق العرق الآري» عندما أشعل الحرب العالمية الثانية.
ويشرح المؤلف أن أولئك الذين أقاموا مسار حياتهم و«مهنتهم» على ممارسة «ابتكار الأفكار ونشرها»، أي المثقفين، قد لعبوا دائما دورا في العديد من المجتمعات، رغم أن عددهم قليل جداً بالقياس إلى ذلك الدور.
وتكمن أحد الأسئلة اليوم في معرفة إذا كان هذا الدور إيجابيا أو سلبيا؟ كما يشير المؤلف. ثم يؤكد مباشرة أن دورهم في القرن العشرين كان عامة عنصر توازن في عالم خطير. لكن هذا لا يمنع واقع أن العديد منهم قد ناصروا أو أبدوا إعجابهم أو كالوا المديح لطغاة مارسوا عمليات القمع الجماعي.
هذا مع الإشارة أن أغلبية أولئك الذين ساهموا في التقدم بميادين العلوم والاقتصاد وفي التقدم الاجتماعي لم يكونوا حقيقة من «المثقفين» بالمعنى الذي يتم استخدام هذا التعبير فيه غالباً.
المثقفون لم يكونوا وراء تقدم صناعة الطيران أو اكتشاف الأدوية ضد الأمراض والأوبئة، ولم يقدموا منتجات «ملموسة» و«قابلة للاستخدام» في حياة البشر اليومية، لكن منتجاتهم هي «أفكار غير مادية»، ويتم تقييمهم عامة تبعا لمدى قبول الرأي العام لتلك الأفكار أو تفاعله معها في اتجاه أو آخر. أما مسألة مساهمتها في جعل الحياة أفضل أو أسوأ فهي أمر للنقاش.
وإذا كان مؤلف هذا الكتاب يقدم المثقفين ذوي النفوذ ؟ المفكرين- أنهم أدوات رئيسية في صياغة بنية المجتمع الأميركي تحديداً، ويؤكد على النفوذ الذي يمارسونه على أشخاص «مفصليين» في مختلف الميادين، فإنه يؤكد كذلك أن تأثير المعنيين يكون غالبا باتجاه «الأسوأ». وهذا ما يقدم عليه الأمثلة في الاقتصاد والسياسة والإعلام والقانون والجامعات.
وحتى فيما يتعلق بالحرب حيث أن مجموعة من الأشخاص التابعين لمراكز أبحاث ـ علب أفكار ـ قد مارسوا تأثيرا سلبيا كبيرا في دفع الأمة «الأميركية» إلى الحرب مما كان له نتائج سلبية كبيرة على الحضارة الغربية بمجملها.
ويحاول «توماس سويل» أن يبيّن أيضاً كيف أن «صانعي الأفكار» في الولايات المتحدة قد «سرّبوا أفكارهم» إلى داخل وسائل الإعلام وإلى المدارس والأوساط الجامعية.
ويشير أنهم في أغلبية الحالات «قللوا إلى الحد الأدنى من الواقع الموضوعي ومن المعايير الموضوعية» ويقدمون أنفسهم على أنهم «أرفع فكريا وأخلاقيا من الناس العاديين».
ومن السمات الأساسية لدى المثقفين اليوم يحدد المؤلف القول أن رؤيتهم للعالم تتضمن اعتبارهم لدورهم ك«طليعة» مهمتها أن تقود «جموع الجهلة» نحو «عالم أفضل».
بل إنهم يعاملون أولئك الذين يمتلكون رؤية «مخالفة» أو «مغايرة» لرؤيتهم وأفكارا غير أفكارهم ك«عقبات أمام التقدم»، وبالتالي لا بد من «تجاهلهم» بدلا من معاملتهم ك«أشخاص» لهم قيمة مكافئة على الصعيدين الفكري والأخلاقي وأنه بالتالي ينبغي أخذ «حججهم» بعين الاعتبار.
وفي المحصلة يعيب المؤلف على المثقفين سعيهم الدائم «تقريبا» من أجل رسم «صورة شيطانية» لخصومهم بقصد «تهميشهم». كذلك التأكيد أنهم يميلون حول الكثير من المواضيع إلى رفض اعتراضات «خصومهم» بدلا من الإجابة عليها.
وينتهي المؤلف في تحليلاته إلى القول أن رؤية المثقفين لأنفسهم عقبة كبرى تمنع تفحّص آرائهم على ضوء التجربة والواقع فيما هو أبعد من الأحكام الجاهزة.
الكتاب: المثقفون والمجتمع
تأليف: توماس سويل
الناشر: بازيك بوك- نيويورك- 2010
الصفحات: 416 صفحة
القطع: المتوسط
Intellectuals and society
Thomas Sowell
Basic Books - New York- 2010
416 p
