جذبت جنوب إفريقيا خلال شهري يونيو ـ حزيران ويوليو ـ تموز الماضيين أنظار العالم أجمع بمناسبة تنظيمها لمباريات كأس العالم لكرة القدم. وكثر الحديث عن هذه البلاد في مختلف وسائل الإعلام التي أشادت بدرجة التقدم التي حققتها كأحد البلدان «الصاعدة» في العالم اليوم.
لكن هذه الصورة «الوردية» لها وجهها الآخر. هذا ما يكشف عنه مضمون كتاب: «بعد المعجزة» لمؤلفه الصحافي الكاميروني الأصل والذي عمل لعقدين كاملين في القنوات الفرنسية التلفزيونية الرئيسية. ويطرح المؤلف بداية السؤال التالي: بعد حوالي عشرين سنة من نهاية التمييز العنصري كيف يعيش الناس حقيقة في جنوب إفريقيا؟
إن المؤلف يقدم في التحقيقات العشرين، التي يشكل كل منها فصلا من فصول الكتاب، صورة مقلقة لجنوب إفريقيا. وهو يبدأها بتحقيق-فصل عن «مفاتيح البلاد» ليتناول بعد ذلك مواضيع متنوعة مثل «الجواهر السوداء» و«مرحبا بكم في مدينة غاندي ـ غاندي بورغ» و«الشهادة الثانوية، اختصاص الإجرام» و«وزير الرعب» و«باميلا» و«شياطين مدينة الكاب»، الخ.
ما يخرج من المؤلف عبر مجمل التحقيقات يثير الهلع، وهذا ما تدل عليه بعض الأرقام التي تدل على أن جنوب إفريقيا تشهد يوميا 50 عملية قتل و142 حالة اغتصاب في اليوم أيضا. وهناك خمسة ملايين من أبناء البلاد يحملون فيروس مرض نقص المناعة المكتسب «الايدز». وأرقام أخرى عديدة تذهب كلها في اتجاه دق ناقوس الخطر.
السمة الرئيسية لهذا الكتاب عن جنوب إفريقيا هي أن مؤلفه يبتعد عن «المناطق السياحية» وعن الجوانب التي تلقي عليها وسائل الإعلام الضوء عادة، وينقل القارئ إلى «المناطق العميقة» من البلاد حيث يعيش الناس العاديون. ومن خلال هذا يحاول تقديم صورة لجنوب إفريقيا بكل «تعقيداتها الثقافية» وما خلفه إرث نظام التمييز العنصري السابق.
وتغطي التحقيقات المقدّمة جميع المظاهر الأساسية في المجتمع وتعبيراتها من بقايا البيض الذين «لا يزالون يحنّون إلى النظام العنصري» وحتى أجواء السحر والشعوذة و«قراءة» نتائج مباريات بطولة كأس العالم لكرة القدم قبل حدوثها بأشهر، ومرورا بعالم «البورجوازيين الجدد» من الأفارقة السود، وكذلك بعالم «الفساد» الذي يمثله رجال الشرطة «الفاسدين حتى النخاع»، كما يقول المؤلف.
وفي التحقيق-الفصل الأول من الكتاب الذي يحمل عنوان «مفاتيح البلاد» يقوم المؤلف برسم صورة للأوضاع التي يعيشها أولئك الذين يقطنون في تلك البلاد من الأجانب، الأفارقة وغير الأفارقة، ومن أبناء البلاد. القاسم المشترك بين الجميع هو أنهم يعانون من أجواء «الهلع».
هذا مع تدقيق القول أن الأغنياء «يعزلون أنفسهم في منازل فخمة ولكنها محاطة بالأسلاك الشائكة المكهربة»، بالإضافة إلى عدسات المراقبة التي تعمل ليل نهار وتجهيز المنازل ب«أزرار إنذار» موصولة مباشرة مع شركات خاصة متخصصة بالحماية الأمنية في حالة وقوع أي اعتداء».
وإلى جانب تركيز المؤلف على شيوع حالة العنف بكل مظاهره وأشكاله ودرجاته، فإنه يصف بإسهاب واقع عدم المساواة في مجتمع جنوب إفريقيا التي يتم تصنيفها في المرتبة الثانية بالعالم من حيث عمق التفاوت في الثروة بين أبنائها. والعنف وعدم المساواة يتواكبان أيضا مع حالة البؤس الشديد التي تعاني منها نسبة هامة من مواطني جنوب إفريقيا.
تتمثل إحدى المعطيات التي يؤكد عليها المؤلف في بروز طبقة وسطى جديدة في جنوب إفريقيا. ويتم وصفها أنها بصدد تغيير وجه البلاد. إنها تتألف عامة من شباب أفارقة سود بينهم نسبة كبيرة من النساء، امتلكوا مهنا ولجأوا من خلالها إلى أحياء كانت ممنوعة عليهم من قبل.
وقسم هام من هؤلاء الشباب كانوا قد دخلوا الجامعات وأكملوا دراساتهم العليا، ذلك كنتيجة لفتح أبواب المدارس والجامعات أمامهم من جهة ورفع جميع القيود عن ممارساتهم للمهن التي تعلموها، من جهة أخرى.
إن المؤلف يشرح أوضاع هذه الطبقة الوسطى في فصل يحمل عنوان: «الجواهر السوداء»، أي التسمية التي يطلقونها على أفراد هذه الطبقة البالغ عددهم حوالي ثلاثة ملايين نسمة.
«الجواهر السوداء» أو «البورجوازية الجديدة» تولي أهمية كبيرة للمظاهر الخارجية وتشكل سلع الرفاهية مواضع أحاديثها الرئيسية. لكنها لا تمثل في نهاية المطاف سوى نسبة ضئيلة وبعيدة عن هموم عامة الناس.
ويتم إبراز أحد وجوه «التنوع الثقافي» في جنوب إفريقيا بفصل عن مدينة «غاندي بورغ» حيث تعم فكرة «المقاومة السلمية» للتخلص من حالة العنف والبؤس القائمة.
ذلك تيمّنا بالمهاتما غاندي «مخترع» ذلك المفهوم «المقاومة السلمية» والذي كان قد أقام لفترة طويلة بجنوب إفريقيا قبل العودة إلى الهند وقيادة النضال الوطني فيها ضد الاستعمار الانجليزي. وينشر المؤلف في هذا الفصل مقتطفات عديدة من المقابلة التي أجراها مع «ابريك اتزكين»، الأستاذ الجامعي، الذي يشرح أهمية إرث غاندي.
الكتاب: بعد المعجزة
تأليف: باتريك فانديو
الناشر: اكت سود باريس 2010
الصفحات: 172 صفحة
القطع : المتوسط
Après le miracle
Patrick Fandio
Acte Sud -- Paris- 2010
172 p
