يبين هذا الكتاب طبيعة انفتاح الحدود وحرية الانتقال بين الدول العربية في العصر العثماني، مركزا على جانب وقضية أريحية حياة وأعمال المغاربة في مصر والعلاقات بين مصر والمغرب، ويوضح مؤلفه أنه مثل المغاربة الذين عاشوا في مصر، ثقلاً كبيرا وقاعدة للتبادل الاقتصادي والاجتماعي، فالوجود المغربي في مصر أثناء العصر العثماني حقيقة واقعة يصعب الاختلاف عليها، تتجسد في كل المصادر المعاصرة للفترة موضع الدراسة.

وإذا لم يكن هذا الوجود وليد العصر العثماني وحده، فقد أسهم العثمانيون فيه بصورة كبيرة بعد تحويل مصر وبلدان المغرب العربي إلى كيان سياسي واحد (عدا مراكش)، حيث أسهم ذلك في سهولة الانتقال والترحال بين أقاليم وولايات الدولة دون عوائق كبيرة.

وكان الحج وموقع مصر الفريد في المنطقة العربية، من العوامل الأساسية وراء هذا الوجود المغربي الكبير أيضا، وقد استأثرت مدينة القاهرة بوصفها حاضرة الولاية المصرية، بالنسبة الأكبر من المغاربة الذين أقاموا بجميع أحيائها وانتشروا فيها.

كما احتفظت الإسكندرية بنصيب وافر من المغاربة بوصفها بوابة مصر الغربية، كما أشارت المصادر إلى أن المغاربة قد انتشروا في أغلب مدن مصر وقراها. كما أكدت العلاقات التجارية المغربية في مصر على استمرارية الدور الذي كانت تقوم به العائلات التجارية في العصر المملوكي.

ويبدو جليًّا أن التجار المغاربة أجادوا في أساليبهم التجارية لتكوين الثروات، فركزوا نشاطهم على التجارة الدولية العابرة، وقد كانت أكثر أدوات التجارة المصرية إدرارا للربح، فعندما انتعشت تجارة التوابل أسرعوا إلى العمل بها.

وعندما حل البن محل التوابل، كانوا من أول العناصر الفاعلة في تجارته، كما سيطروا على تجارة الأقمشة الهندية القطنية التي كانت محل طلب واسع في السوق العثمانية والمغربية والأوربية، فكان نتاج ذلك تكوينهم لثروات كبيرة سمحت لهم بامتلاك السفن التجارية الضخمة في البحرين الأحمر والمتوسط، كما قدموا القروض إلى كل الطالبين بالفوائد.

ودخلوا إلى حيازة الالتزامات الزراعية التي كانت واحدة من أهم أدوات تكوين الثروات في مصر.بيد أنه أصبح واضحا وجود علاقة قوية بين السوق والزراعة الجارية، فبالرغم من أن التجار المغاربة عملوا أساسا بالتجارة الدولية العابرة فقد اهتموا أيضا بالإنتاج المحلي، وقاموا بتطويع الزراعة حتى تواكب الطلب على سلع معينة، ففي الوقت الذي كان فيه الطلب على الكتان المصري، إبان القرنين السادس عشر والسابع عشر، ملحا تم التوسع في الزراعة.

حيث مول التجار المغاربة زراعته من أجل تصديره إلى اسطنبول وبلدان المغرب، وعندما شهد القرن الثامن عشر تراجع الطلب على الكتان وتزايده على القطن، الذي أخذ يحل تدريجيا محل الكتان، مول التجار زراعته وهو ما حدث مع السكر والأرز والقمح وغيرها من السلع، فلم تكن مصر تعيش في ظل نظام زراعي معيشي بقدر ما كانت تعرف محاصيل السوق، ولكن ذلك ارتبط بالسوق العثمانية أكثر منه بالسوق الأوروبية.

وظلت المشكلة الأساسية للشركات والمؤسسات الرأسمالية، والتي تمثلت في كيفية الحفاظ على مبدأ توارث الإدارة ورأس مال هذه الشركات الكبيرة للجيل التالي من أبناء العائلة، فقد كانت هناك مشكلات عديدة تواجه استمرار تراكم رأس المال في هذه النخبة.

وهي:إنجاب رأس العائلة لأبناء ذكور،وفاة التجار في سن مبكرة بينما يكون أولاده قاصرين، الاهتزازات الاقتصادية الفظيعة التي كانت تواكب بداية كل ازدهار أو تراجع اقتصادي لسلعة ما،ابتزازات السلطة المملوكة الواسعة للتجارة فعمل البكوات المماليك على امتصاص العائلات والبيوت التجارية عن طريقين.

أولهم فرض فردة على تركات التجار المتوفين تسميها الوثائق «صايل» كانت تتراوح بين 30 و50% من إجمالي تركات التجار حسب قوة الورثة ومقدرتهم على الدفاع عن حقوقهم، وعلاقتهم بالأمراء المماليك القابضين على السلطة.

وأصبحت الفوضى السياسة والاقتصادية التي تعانيها مصر، في ظل نظام فوضوي كان يلح بضرورة التغيير جذريًا، إن عاجلاً أو آجلاً،كضرورة للتطوير الاقتصادي والسياسي والاجتماعي، فلم يكن محمد علي باشا إلا إفرازا للتغيير ونتاجًا لهذه الأزمات المزمنة التي كانت تعيشها مصر في نهاية القرن الثامن عشر.

وما لبث أن امتصهم وصهرهم في بوتقته كجزء لا يتجزأ منه، يبد أن تأثير المغاربة كان واضحًا في الكثير من القيم والعادات التي أفرزوها داخل بنيان المجتمع المصري، لكنهم مارسوا حياتهم اليومية في شتى جوانبها داخل إطار الحياة العامة للمجتمع المصري، ولم يشذوا يوما عن البناء الاجتماعي منذ هجرتهم، حيث ساعدت وحدة اللغة والدين والثقافة على سهولة امتصاصهم داخل بنيان المجتمع، وإن ظلت لهم شخصيتهم المميزة وحضورهم المادي الملموس لفترة طويلة.

الكتاب: العائلة والثورة ـ البيوت التجارية المغربية في مصر العثمانية

تأليف: د.حسام محمد

الناشر: الهيئة المصرية العامة للكتاب

الصفحات: 419 صفحة

القطع: الكبير

خالد عزب