يؤكد مؤلف الكتاب أن الامتيازات كانت من الأسباب الرئيسية للتطورات التاريخية العالمية، لكنها أدت إلى استمرار الانحطاط العربي وعرقلة الرأسمال الوطني، ووضع التاجر السوري في موقع غير متكافئ في الحقوق مع التاجر الأوروبي، وهذا ما أدى إلى نهاية النظام الرأسمالي العربي، وبروز النظام العالمي الغربي.
وتوضح السكيف أن سوريا «بلاد الشام» شكلت عبر التاريخ مركزاً استراتيجياً حضارياً مهماً وسط العالم القديم والحديث، وهي شملت على: لواء الشام الشريف (حماة، حوران، معان)، ولاية حلب (أورفة ومرعش)، بيروت (عكار، طرابلس، اللاذقية، البلقاني).
حصلت أوروبا على امتيازات واسعة لها ولتجارها في أراضي السلطنة، على شكل أمان يصدره القاضي أو نائبه، وأعطت البراءات لتعيين القناصل والتراجمة في مراكز الولاية، وأدى القنصل دوراً مهماً في حل القضايا التي تتعلق بجماعته واحتفظ بالسلطات القضائية والديون.
واستفادت أوروبا وقناصلها أكثر ما يمكن من ما جاء في «العهد نامة» من ضمانات مهمة تحقق المصالح الأوروبية، ثم تطوّرت المعاهدات وعهود الأمان، وأصبحت امتيازات فعلية لأوروبا في أراضي السلطنة، وخاصة بعد معاهدة (كولوفيتز عام 1699 م)، ثم معاهدة (كجك قينارجة عام 1774 م)، فقد أصبحت هذه الامتيازات سبباً من أسباب التدخل الأوروبي في الشؤون الداخلية للسلطنة واستغلالها.
وتنافس على السيطرة والنفوذ في المشرق العربي أربعة دول، وهي: فرنسا، إنجلترا، روسيا. وفي نهاية حكم السلطان عبد الحميد الثاني، ظهرت ألمانيا على ساحة التنافس الدولي، وبدأ الاحتلال العسكري لكثير من الدول العربية، كما انتقلت تجارة سوريا إلى أيدي أهل الذمة من رعايا الدولة العثمانية.
وكانت هذه الامتيازات متنوعة وفردية أو شخصية تجارية، حيث تمنح دار الحرب الأجانب تصاريح خاصة من السلطان بشكل فردي يحمله معه بوساطة القنصل أو السفير، هذه التصاريح تحدد ملابسهم والمناطق التي يحق لهم التجول فيها والقيام بالأعمال التجارية.
ومن الامتيازات الأمان في البحر، (عدم التعرض لهجمات السفن الإسلامية)، كما سهلت لهم سبل الانسياح في أراضي السلطنة.
ومن ذلك حصول فرنسا على امتيازات واسعة في سوريا، وأولها تعود لفترة السلطان سليمان القانوني، حيث بيّنت إحدى الوثائق السماح بالمتاجرة والتمون من موانئ السلطنة تحت حماية العلم الفرنسي. وحصلت إنجلترا على امتيازات خاصة بها وبتجارها، منذ القرن السادس عشر. كما حصلت ألمانيا منذ عام 1890م على امتيازات خاصة.
إنّ التغلغل الاقتصادي الأوروبي في تلك الفترة أدّى إلى تغيّر اقتصادي واجتماعي وسياسي مهم على جميع الصعد الداخلية في سورية، إذ تحوّل دور المنطقة من مصنع للمواد ومصدر لها إلى دور المستورد للبضائع المصنعة ومصدر للمواد الخام.
وبالتالي تعطلت كثير من الصناعات وتوقفت عن الإنتاج وحدثت الإفلاسات بين الصناع والحرفين والزراع، وتأسس كثير من الشركات الأجنبية وحجزت على أراضي وعقارات في دمشق، وغيرها من مدن سوريا.
كان الامتياز الأكثر قوّة هو الذي حصلت عليه إنجلترا، وتبعتها فيه كل من الدول الأوروبية وأميركا، والذي تمثّل في معاهدة (بلطة ليمان عام 1838 م) التجارية، حيث فتحت أبواب بلاد الشام على مصراعيها لتجارة أوروبا، وأدت بالتالي إلى إغراق المنطقة بالمواد المصنعة والأقل جودة من الصناعات الوطنية المحلية، والحصول بالمقابل على المواد الأولية اللازمة لصناعتها، بدفع أقل الضرائب في الاستيراد والتصدير.
بينما كان على التاجر والصانع المحلي في بلاده أن يدفع أكثر من الأجنبي بكثير، وهذا ما شكّل عبئاً على تقدم وتطوّر الصناعة المحليّة، وعدم تطور الأدوات المستخدمة في الزراعة، حيث عانى الفلاحون من ضغط الديون وتجريدهم من محاصيلهم إذا لم يدفعوا على المواسم الضرائب المفروضة والديون.
وانعكست الامتيازات سلباً على حياة البدو، عندما مدّت السكة الحديدية واستقرّ معظم البدو وأخذوا يعملون بالزراعة، وتعاملوا مع الدول الأجنبية وقناصلها لحماية الطرق التي تمرّ منها المواد التجارية الأجنبية.
كما أثرت الامتيازات على وضع المرأة في سورية، إذ أخذت تتطلع إلى التحرر والانعتاق من كل ما هو قديم، وتغيرت الأذواق بسبب كثرة البضائع الأجنبية وتغيّر الخيال المديني، ومارست النساء أعمال التجارة وعقد الديون لتكثير الأموال، وأخذت الأصوات ترتفع لتحرير المرأة وتعليمها، وظهرت منهن كاتبات في بداية القرن العشرين، مثل: مي زيادة وزينب فوّاز.
الكتاب: الامتيازات الأجنبية وانعكاساتها الاقتصادية والاجتماعية على سورية «بلاد الشام»
تأليف : د. ماري سركو السكيف
الناشر: وزارة الثقافة الهيئة العامة السورية للكتاب دمشق 2010
عدد الصفحات: 392 صفحة
القطع: الكبير
فيصل خرتش
