في البحث والمناقشة لتصحيح واقع خروج المعتقدات الدينية عن خصوصيتها وجلالها وهيبتها، إلى عالم الجدل والتنافس، بل وإلى استغلال الأديان من أجل أهداف دنيوية أو مطامع سياسية أو مكاسب شخصية، الأمر الذي أصبح التصحيح معه واجباً من أجل الوصول بالمعتقدات الدينية إلى مكانها الصحيح ومكانتها اللائقة.
وهي تقول في هذا السياق: «إن ما نحاول أن نفعله، وما حاوله غيري من قبل، وما سوف يحاوله آخرون من بعد، يأتي نتيجة للحقيقة التي نعيشها والتي تؤكد أنه رغم الإيمان بخصوصية العلاقة بين الخالق والمخلوق. ورغم تلك الصورة المثالية المفروضة، إلا أن الواقع يقول غير ذلك، إنه واقع يتطلب محاولات قد تساهم في عبور الهوة بين ما هو مطلوب وما هو موجود، إنها محاولات تصحيح واقع خرج بالمعتقدات الدينية عن خصوصيتها وجلالها وهيبتها، إلى عالم الجدل والتنافس، بل وإلى استغلال الأديان من أجل أهداف دنيوية أو مطامع سياسية أو مكاسب شخصية، وأصبح التصحيح واجباً من أجل الوصول بالمعتقدات الدينية إلى مكانها الصحيح ومكانتها اللائقة».
وترى المؤلفة أن الزج بالعلاقة بين الخالق والمخلوق في شؤون الدنيا والسياسة، حيث يسود الجدل والنقاش والخلاف والاعتراض، أمر لا يتفق مع ما للعقيدة الدينية من هيبة وجلال واقع يحتم الفصل بينهما، أي بين الدين والسياسة.
ويدعو إلى الالتزام بالدولة المدنية، فبرفع الدين إلى مكانته السماوية الروحية يستلهم البشر الأخلاق والمبادئ السامية، لكن يجب أن لا يجعلوا منها شأناً دنيوياً سياسياً قابلاً للجدل والرفض والانتقاء، بل تحترم جميعها، والله وحده هو الذي يسائل ويحاسب وله الدينونية في ما يفعل البشر.
وتشدد تكلا على أن الفروق بين المسيحية والإسلام أقل من ما نظنّ، والاختلاف بينهما لا يبرر العداوة والقتل والتكفير: «لقد أوصى الإسلام بأهل الكتاب، والسيد المسيح أوصانا بالصلاة حتى من أجل الذين يسيؤون إلينا.
والإسلام لا يسيء إلى المسيحية بل يكرمها، حتى وإن رأى البعض من الذين يدّعون الإسلام غير ذلك، واعتبروا أن الإساءة إلى المسيحيين حلال، فأطلقوا عليهم صفات غير كريمة». وتلفت المؤلفة على أن تكفير المسيحيين أو تحليل سفك دمائهم ليس من الإسلام. ونشر العقيدة بالعنف لا مكان له في المسيحية.
إن أمورًا كثيرة ومبادئ عدة تجمع بين العقيدتين. إن ما يجمع بينهما أكثر من ما يفرّق، والتقارب الذي يمكن أن يسود بينهما لا يدركه كثيرون من الطرفين. هؤلاء الذين لا يعرفونه اتخذوا مواقف معادية أو تصادمية، تفاقمت نتائجها وجاءت بأضرار بالغة وخسائر لا تفرّق بين الضحايا من الجانبين.
كما تطرح المؤلفة بدائل فكرية تقوم على الحقيقة وتتفق مع الواقع أملاً في أن تزيح من الأذهان ما لصق بها من اتجاهات مضللة أصبحنا نتعامل معها وكأنها حقائق لا شك فيها، وتوقعات آتية لا محال، لذلك جاء طرح نظرية بديلة هي حقيقة «التراث المسيحي الإسلامي المشترك».
وتأكيد أن ما بينهما من تقارب يفوق ما بينهما من اختلاف، وهى اختلافات لا تبرر ما يحاول البعض زرعه من كراهية وما يتنبأ به البعض من صدام.
وتشيد د.ليلي مبادرة الأزهر إلى تكوين هيئتين، أو هيئة واحدة ذات شعبتين: إحداهما: تعمل على تنقية الشعور الديني من الضغائن والأحقاد، وذلك بتوجيه أنشطة المؤسسات الدينية المختلفة صوب هذا الهدف النبيل، بدلا من توجيهه صوب الصراع بين الأديان والمتدينين، وطريق ذلك جمع المعاني الإنسانية السامية ? العامة ? في كل دين.
والثانية: مهمتها تقوية الشعور الديني لدى الطبقات المستنيرة، حتى يمكن تدعيم مراكز التدين أمام البحث العلمي والتفكير الحر، والبعد عن استعمال السلطة الدينية المستبدة حتى لا تتكرر الأخطاء الماضية التي دفعت الإنسانية ثمنها باهظاً ومرهقاً.
الكتاب: التراث المسيحي الإسلامي
تأليف: د.ليلي تكلا
الناشر: دار الشروق2010
عدد الصفحات: 212 صفحة
القطع: المتوسط
محمد الحمامصي

