وحجة الشرفي في هذا التحديث هو أن الإسلام كنصوص مقدسة يختلف عن الفكر أو الخطاب الإسلامي الذي أنتجه البشر على مر العصور، وأن الاجتهاد والتحديث وإعادة النظر في الفكر الإسلامي، أمر واجب تقتضيه غيرتنا على الإسلام وضرورة تحديثه وجعله مواكباً لمشكلاتنا وعصرنا.
وينطلق الباحث من أن قواعد التفسير والتأويل والأسس التي يتم بموجبها اعتماد الفقه والوسائل التي اعتمدت في علم الحديث، أعمال بشرية ومتأخرة زمنياً عن فترة الوحي، وبالتالي فإنها من وضع بشر يخطئون ويصيبون ويتأثرون بزادهم المعرفي، كما يتأثر أفقهم الذهني بمتطلبات عصرهم ومجتمعهم، وكذلك بنزعاتهم الذاتية وميولهم.فالفقهاء والتابعين والمفسرين وضعوا تاريخياً ما يسميه المؤلف بـ «السياج» حول النص الإسلامي، بحيث لا يجوز الاختلاف إلا في نطاقه، ولا يجوز الاجتهاد إلا بالعودة إليه.
فالبحث يبين أن لجوء الفقهاء إلى الأحاديث النبوية لا يعود كما يشيعوا إلى تفسير القرآن بالأحاديث وبيان القضايا التفصيلية التي لم ترد في القرآن، بل يعود إلى قيامهم بـ «تسييس الدين» وتحويله إلى «
فالفقهاء اهتموا بالسعي إلى «توحيد سلوك المجتمع» دينياً، وفرض التعاليم الدينية على الجميع، لأن التنوع والاختلاف كان عندهم مصدراً من مصادر الفتنة والشر.
كما يرفض المؤلف «الإجماع» بوصفه مصدراً من مصادر الدين الإسلامي، لأن الإجماع استعمل في الغالب «لإقصاء المخالفين» أكثر مما استعمل لإيجاد ملاءمة بين الدين والحياة. كما أنه اختصر إلى إجماع مجموعة من الفقهاء المرتبطين بالسلاطين وبعض المصالح، ولم يعد إجماعاً للأمة.
وفيما يتعلق بالنص القرآني، فإن المؤلف يبين لنا أن البنى الاقتصادية والاجتماعية قد تكون أقوى من النصوص في كثير من الأحيان، ولذلك نجد أن النصوص غالباً ما توظف لخدمة مصالح فئوية وأغراض نفعية. وهذا ما حدا بالمؤلف إلى التذكر بأن بعض النصوص تنسى وبعضها الآخر يتحول عن غرضها الأصلي ليصل إلى حد القصد المخالف.
وفيما يتعلق بأصول الفقه، فإن المؤلف يجد أن هناك حاجة ماسة لتحديثه وتحريره من سطوة الفقهاء ورجال الدين. ولذلك يطلب المؤلف عدم الفصل بين اختلافات الفقهاء وسياقها التاريخي أولاً، وإدراك البعد النسبي لبعض الأحكام الفقهية ثانياً.
أما بالنسبة إلى الفقه، فإن المؤلف لا يخفي نظرته السلبية لهذا المجال المعرفي، على الرغم من الدور التاريخي الذي لعبه في توحيد المسلمين. فمشكلة الفقه أنه أقام الحياة على أسس مطلقة ونهائية، في حين أن المجتمعات في تطور وتغيير مستمرين. ولذلك فإن المؤلف يطالب بتحديث الفقه وإعادة بناءه على أسس جديدة تأخذ تطورات الحياة المعاصرة بعين الاعتبار.
فالأحكام التي يقدمها الفقه للمجتمع الإسلامي ويطالب الجميع الالتزام بها، هي في الغالب أحكام بشرية وأمور اجتهد الفقهاء فيها، ولا تعود إلى النصوص الإسلامية الأولى. فالعودة إلى الفقه وإعادة النظر فيه بشكل نقدي «لا ينسف ركناً من أركان الدين» بقدر ما يسمح للإسلام أن ينظر إلى مشكلات العصر بروح منفتحة.
وفي النهاية يعوّل الكاتب على روح المسؤولية الفردية لدى الناس، لأن الإسلام وفقهه وتفسيراته ملك للجميع، ولذلك فإن كل شخص يستطيع أن يعتمد على نفسه وضميره، حتى لا يبقى المجتمع أسيرَ فئة معينة، يمكن تسجيل ملاحظات كثيرة على سلوكها وأفعالها.
الكتاب: تحديث الفكر الإسلامي
تأليف: عبدالمجيد الشرفي
الناشر: دار المدار الإسلامي بيروت 2009
الصفحات: 120 صفحة
القطع: المتوسط
رشيد الحاج صالح

