هو شاعر الهواجس التي تتحرك ليلاً على تراتيل أغنية.. سياسيُّ تخفَّى بمهارةٍ في قصيدته...، إنه «سيد حجاب»، أحد أبناء الشعر، وأحد الروافد الكبيرة لقصيدة شعر العامية المصرية.
والذي اعتبر نفسه أقرب إلى الفوضى والبداوة، على حد تعبيره، واعتبرناه نحن، على قدر فهمنا، أقرب إلى الفطرة، فهو الشاعر الذي اختار الأغنية ليقول من خلالها إن الكلام المباشر أهم من التفلسف والغموض الشعري، وإن الأعمال الكبرى والخالدة هي الأعمال الشعبية التي اتفقت عليها قلوب الجمع لا النخبة المثقفة.
أعلن البعض أن استقالتك من لجنة الشعر جاءت بسبب اعتراضك على الأبنودي، ما تعليقك؟
كل ما في الأمر أنني في الفترة الأخيرة شعرت أن وجودي في اللجنة غير ذي أهمية، فكنت أقترح عمل مهرجان لشوقي وآخر لحافظ، وأصرَّت اللجنة على دمجهما معًا، لا من قبيل المناقشة بل من قبيل انتصار الفكر التقليدي الوظيفي، ثم جاءت الدورة الثانية لملتقى الشعر العربي، التي طُرح أن تكون باسم خليل مطران، ومع احترامي الشديد لمطران إلا أنني كنت أرى أن يطلق اسم أحد شعراء العامية الكبار، مثل بيرم التونسي أو صلاح جاهين، على هذه الدورة.
وأول مرة تظهر فيها فكرة استقالتي، حين تصدى أحد الأعضاء باللجنة لي بأن شعراء العامية تحتفي بهم لجنة الفنون الشعبية، ولوّحت بالاستقالة وتراجعت لجنة الشعر عن تسمية الدورة باسم مطران، وأطلق عليها «الدورة الثانية لملتقى الشعر العربي».
ولكن حين غبت عن بعض الجلسات وجدت أن اللجنة عادت إلى اسم خليل مطران مرة أخرى، لكن وصلت الحكاية إلى آخرها حين أُنشئت الأمانة العامة لبيت الشعر التي طلبت أن أكون من بين أمنائها، لكنني فوجئت بخروج القائمة دون اسمي.
صحيح أن في اللجنة ممثلاً لشعر العامية، وهو الشاعر عبدالرحمن الأبنودي، لكنه من الواضح أن اسمه قد وُضع لحجب اسمي، لا أكثر، فهو ـ شفاه الله ـ ليس بصحة جيدة تساعده على أداء مهمته في بيت الشعر، ولست معترضًا على الأبنودي، لكنه رفض منذ البداية عضوية لجنة الشعر، ورفض المشاركة في أعمال المجلس الأعلى للثقافة بدافع التعالي، أو بدافع المرض، ثم حدث ما حدث في تأسيس بيت الشعر، فآثرت الانسحاب.
شاعر الغلابة والفقراء
كيف تتلقى مناداة الناس لك بعمنا سيد حجاب»، وتلقيبهم لك ب«شاعر الفقراء»، أو «شاعر الغلابة»؟
إنها تسميات تحمل قدرًا من الحميمية، وتعني نجاحي في الرهان على الحياة، فبداخلي عرق فوضوي بدوي يرفض كل التراتبيات: تراتبية السن، وتراتبية المنصب.
أنا أرى البشر جميعًا أهلا وإخوة وأصدقاءً، وعندما أصبحت أكبر أصدقائي سنًا، وجدتهم يتواضعون بندائي «يا شاعر»، أما الأصدقاء الأبعد قليلاً اختاروا لي لقب «عمنا»، وأحب هذه التسميات أكثر من الأستاذ والدكتور، وأُعرِّف عن نفسي دائمًا بأنني «شاعر على باب الله، والوطن والإنسانية».
محطة صلاح جاهين لا يمكن المرور عليها مرور الكرام، فكيف نطرح الحديث عن صلاح جاهين في شعر العامية المصري؟
حين عرَّفني صديقي الشاعر فؤاد قاعود، على صلاح جاهين، كان صلاح وقتها يكتب باللغة المحكية وحيدًا في الساحة، بعد أن اعتُقل الشعراء: فؤاد حداد، سمير عبدالباقي.
فظل صلاح وحيدًا محاطًا بالرجعيين، وفرح بميلاد جيل جديد كان على رأسه قاعود الذي عرَّفني بجاهين، والذي عرفته في ما بعد بالأبنودي، ثم كثر الرفاق حول جاهين، وحين استمع لي للمرة الأولى، شعر أنني أنحو نحوه، أو لعله شعر ببعض الدفء الذي أذهب عنه إحساس الوحدة لديه آنذاك، فقال وهو يحتضن فؤاد قاعود: «كده بقينا كتير يا فؤاد».
مشروع الحداثة الشعري
هل كان جاهين يقصد ب«بقينا كتير» مَن يكتبون العامية فقط، أم أن مقولته تصلح لتنسحب إلى الحركة الشعرية بأكملها، وقتذاك؟
أتصور أن جاهين مؤسس مهم للحداثة في شعرنا العربي والمصري المعاصر، فالحداثة أخذت طابعًا شكلانيًا عند معظم المجددين، ما عدا صلاح عبد الصبور.
ومن قبله أحمد شوقي، الذي كان ينحو باتجاه الحداثة بأعماله المتعددة، وجرَّب أشكالاً جديدة للوصول إلى جمهور أكبر، فلجأ إلى المسرح، ولو قرأت مسرحيته الأولى «الست هدى» لوجدت نسيجًا لغويًا فصيحًا قريبًا من العامية، وفي أشعاره للناشئة يعتمد شوقي على لغة بسيطة قادرة على توصيل أفكاره للأطفال.
وعندما بدأ يكتب الأغنية لعبده الحامولي، ثم عبد الوهاب بعد ذلك، كان يتجه إلى أوساط العامة من خلال اللغة المباشرة، الراقية قليلاً، فقد كان صاحب مشروع لتحديث الثقافة المصرية والعربية.
إن شوقي أول مشروع تحديث ـ من وجهة نظري ـ في الشعر العربي الحديث، وصلاح عبد الصبور هو الخطوة التالية، وذلك في مسرحه وشعره في ديوانه «الناس في بلادي»، الذي يحاول أن يصنع فيه لغة قريبة من لغة الحياة اليومية، مثل:
«وشربت شايًا في الطريق، ورتقت نعلي، ولعبت بالنرد الموزع بين كفي والصديق.. قل عشرة أو عشرتين، قل ساعة أو ساعتين».
وأظن أن المشروع التحديثي الموازي لهذين المشروعين الكبيرين هو مشروع صلاح جاهين، فهو أول شاعر مصري يعتبر الفولكلور رافدًا أساسيًا لتشكيله الجمالي، إضافة إلى أنه اعتنق فكرًا جدليًا شديد الحداثة، ومن المصادر الشعبية والفكر الحديث صاغ شعرًا حديثًا تعلَّم فيه من الفولكلور الكثير، واختلف معه على مستوى الشكل والصيغة.
وتدرك أنه رجل له فلسفة إنسانية تظهر في إيمانه أن الإنسان مانح القيمة الحقيقية المضافة لكل المنتجات الطبيعية، إن جاهين فكر شديد العصرية، ذائب في صياغات الوجدان الشعبي المستقرة، وبالتالي أرى جاهين مؤسسًا رئيسيًّا من مؤسسي الشعر المصري المعاصر.
كيف تمكن المقارنة بين دور كل من صلاح جاهين وبيرم التونسي في التعامل مع الفولكلور المصري؟
أظن أن صلاح جاهين كان الأشجع والأكثر إنجازًا، فقد كان بيرم التونسي ـ على عبقريته ـ لا تشعر أنه يعرف الكثير عن الفولكلور، فهو يعرف لغة أبناء المدينة، وثقافة الأزهريين، وجانبًا من ثقافة الفرنسيين عبر عمله عاملاً في السلخانة في باريس أو معمل الكلور الذي عمل به في مارسيليا، فبعض مفردات الفكر الاشتراكي بطريقة الملامسة .
وليس بطريق الثقافة، ولا علم له بالفولكلور، بل إنه يبتكر فولكلوره، والفولكلور الوحيد الذي كان يعرفه هو ذلك المتضمن في السير الشعبية التي راجت وسط أبناء المدينة، لكن صلاح جاهين كان يصل إلى نخاع الفولكلور، مدركًا عملية الإبداع الشعبية بعبقرية حقيقية، ومتمثلاً ومناقشًا لها، ومختلفًا ومقيمًا جدلاً معها إلى أن يقدم صيغته الخاصة القائمة على الفولكلور، لكنها في النهاية صيغة «جاهينية».
الحداثة نمط تفكير
كان حافظ إبراهيم «شاعر الشعب»، بينما كان شوقي «شاعر القصر»، فكيف يمكن أن يكون شوقي الأقرب إلى لغة العامة والتفكير الحداثي واليومي؟
حافظ كان عقلاً قديمًا، والمسألة ترجع إلى صيغة الفكر وليس في المحتوى الفكري، فعندما طُرحت أفكار الحداثة في الواقع المصري أخذت طابعًا إشكاليًا، فالبشرية في الثقافات القديمة أسست معرفتها وثقافتها على القانون الأرسطي القديم الماهية، البشرية كانت تريد أن تعرف الأشياء المحيطة، هذا بحر وهذا جبل وهذا إنسان...، أما في الحداثة فقد اختلف المنظور، ففي الفترة من 1500م إلى 1800م:
فترة النهضة، نضجت أدوات جديدة للفكر اسمها «العلَّة»، كل علة تؤدي إلى معلول، وبذا انتفى السكون القديم للعالم وحل محله عالم في حالة تغيُّر، بعدما كانت الأرض مركز الكون، تغير موقعنا من الكون واتسعت حدود العالم وحدود الكون وعرفنا مكان الأرض من الكون ومكان الإنسان من الأرض، فبدأت الفنون تتغير.
ولم يعد الموضوع هو العالم، وإنما التجربة الشعورية الإنسانية، ومع القرن الـ 18 بدأ الإنسان يفهم أنه سيد الوجود، وأن البشر متساوون في كوكب الأرض إلى آخر المفاهيم التي نسميها حداثة، الحداثة مربوطة بالثورة الصناعية والديمقراطية.
لقاء مع الأبنودي
الحديث عن علاقتك بالشاعر عبد الرحمن الأبنودي شائك، فكيف كانت بداية تعارفكما؟
عرفته في ندوة «رابطة الأدب الحديث» حين ألقى قصيدة بالندوة اسمها «مجنون»، وكان وقتها مجندًا بالقوات المسلحة وألقى القصيدة بالزيِّ العسكري، وعقب الندوة ناقشته في القصيدة وكنت متجاوزًا أبناء جيلي ثقافيًا، قراءاتي كانت أوسع، وسألني: أنت تكتب الشعر؟
فقلت له: لا، وكنت أكتب الشعر لكنني رأيت أنه لم يكن قد آن أوان الانخراط في الساحة الأدبية، فكنت أراقب فقط، وكانت لي قصائد منشورة بالفصحى في مجلة «الشهر» لسعد الدين وهبة.
وكان قد قدمني الشاعر فوزي العنتيل في العام 1956 في مجلة «الرسالة الجديدة»، وقدمني د. محمد مندور في البرنامج الثاني الثقافي في برنامج «كتابات جديدة»، ثم نشر عني د. القط، في مجلة «الشهر» قصيدة بعنوان «ثلاث أغنيات للبعيد»، فقد دخلت إلى المجلات الأدبية شاعرًا للفصحى، لكن الذي قدمني كشاعر عامية هو صلاح جاهين.
وقد قلت للأبنودي رأيي في قصيدته فاندهش من قدرتي على التحليل لقصيدة سمعتها للمرة الأولى منه، ثم اتجهنا إلى مقهى بباب اللوق، وعرَّفني على الشاعر فؤاد قاعود بقوله عني:
«واحد صاحبنا يحب الشعر»، وفي المقهى بدأ الشعراء كعادتهم يلقون أشعارهم الواحد تلو الآخر، وعقب كل قصيدة ينظر إلي: ما رأيك؟ فأتلو مطالعة نقدية متزنة، حدث هذا مرة واثنتين وثلاثًا، ووجدت قاعود يقف قائلاً:
«لا، أنت لست مجرد محب للشعر، أنت تكتب الشعر»، وطلب مني أن أقول قصيدة فقلت قصيدة «قال ابتسم»، وكانت متجاوزة للأشكال المعروفة آنذاك، بعدها اقتربت من فؤاد قاعود، وعاد الأبنودي إلى بلده ليعمل في محكمة قنا بعد انتهاء فترة التجنيد، وعندما قدم جاهين بابه «شاعر جديد يعجبني» اختار فؤاد قاعود كأول حلقة ثم قدمني، وأرسل الأبنودي إلى جاهين ثلاث قصائد من البلد، وكنت أقرأ البريد لجاهين فاندهش من قصائد الأبنودي قائلاً:
«في شاعر وجودي في الصعيد؟»، وكانت القصائد تحمل ملامح وجودية، بعدها قدمه جاهين في مجلة «صباح الخير»، وانضم إلى كتيبة شعراء العامية المصريين الطليعيين.
«تريد مارك» سياحي
كيف كانت نظرة الشعراء إلى الأبنودي وهو المتكلم باللهجة الصعيدية، بعد اتفاقكم جميعًا على الكتابة باللهجة القاهرية؟
الأبنودي كتب باللهجة الصعيدية وهي لغته العفوية، وعندما جاء إلى القاهرة لم يكن يحمل زادًا ثقافيًا كبيرًا، وكان حلمه أن تُغنى له أغانٍ بالإذاعة، مثل مصطفى القوصي بلدياته، والذي أُذيعت له أغنية بالإذاعة، ولم يكن قد قرأ شعرًا كلاسيكيًا، ولا حداثيًا إلا بالمصادفة.
لم إذا أغفلت الحديث عن الشاعر فؤاد حداد؟
فؤاد حداد سمعت به للمرة الأولى من صلاح جاهين، وهو الذي أعطاني شعره ووقعت في هواه، لكن ربما أكثر أبيات هزتني من شعر حداد:
«في سجن مبني من حجر.. في سجن مبني من قلوب السجَّانين..
قضبان بتمنع عنك النور والشجر.. زي العبيد مترصصين»
ولكن يظل حداد في إطار الزجل البيرمي عبقرية فائقة، إلا أن أنفاس الحداثة لم تكن قد تسربت إلى قصائده بعد بشكل كافٍ. فنحن ـ الأجيال التالية لصلاح وفؤاد ـ تعلمنا من فؤاد لكن سرنا في خطى صلاح، فصلاح ظل المؤسس للقصيدة الحديثة والمؤثر في شعرنا، بينما ظل فؤاد حداد، الذي أجلناه إلى أن خرج من المعتقل، بعيدًا عن الحداثة بخطوات.
دائمًا ما يكثر الكلام عن حرب خفية بين العامية والفصحى، فأين تضع المُنجَز الشعري لكليهما، وكيف تعلق على حرب المقارنة بينهما؟
أظن أن قصيدة العامية هي الأهم في المنجز الشعري الحداثي المصري، الشعراء الذين يكتبون بالفصحى، القامة الكبرى بينهم صلاح عبدالصبور، وكثيرون من الذين يشقشقون بالحداثة، هم أصحاب عقول قديمة والتغيير عندهم شكلاني لا يتعلق بالرؤية وإنما يتعلق بالتشكيل الجمالي المختلف.
لكن لا يستطيع أحد أن يصادر حقهم في التجريب، لكنهم لم يستطيعوا أن يكتسبوا لا المشروعية النقدية ولا المشروعية الشعبية، فقد ظل شعرهم نخبويًا، يكتبونه للنخبة في إطار النخبة، لكن الفنون العظمى في تاريخ الإنسانية كانت فنونًا شعبية بالأساس.
نحو أوبرا عربية
ظل فن الأوبرا حلمًا لدى كثيرين يريدون تقديم تجارب مصرية فيه، فإلى أين تتجه أحلامك الأوبرالية؟
الأوبرا أرقى فنون الغناء أو أكثر فنونه تركيبًا، دراما مع غناء، أي التعبير عن الدراما في صيغ غنائية متنوعة بقدر من التعقيد أكثر من الأغنية المنفردة التي تعكس لحظة، هذا تعريف الأوبرا العلمي.
لكننا ربطنا بين الأوبرا و«الجعير الأوبرالي»، فطريقة إخراج الصوت في الأوبرا الإيطالية تبدأ من الحجاب الحاجز، من أجل هذا نجد التفخيم كثيرًا في الصوت والحرف الأوبرالي، أما مخرج الصوت في الغناء الشعبي من منطقة الحنجرة، فالصوت في الأخير أكثر إنسانية وأقل جلالاً.
وأقرب إلى الروح، لكن علينا أن نبتكر طريقة لتربية الأصوات الصالحة للأداء الدرامي، دون الابتعاد عن المذاق الشعبي الإنساني؛ لذا فهناك اتجاه يسمى «الأوبرا بوب» أو «الأوبرا الشعبية»، وهي أوبرا بطريقة غناء مختلفة.
أما ما أحلم به فهو أن تكون لدينا أوبرات بهذه الطريقة المختلفة؛ بحيث نقدم لشعوبنا فنونًا أكثر رقيًا، وأكثر تركيبية، فمنصور رحباني اقترب من هذا في أعماله الأخيرة، صحيح ظلت في إطار الأوبريت الذي يحتوي على مناطق تمثيلية وليس غناءً خالصًا، لكن في الحقيقة إن سيد درويش والرحبانية، مرورًا بأحمد صدقي وزكريا أحمد، هم الذين شقوا طريق المحاولة.
وقد بدأت مع شريف محيي منذ أعوام في محاولاتنا، فقدمنا ثلاثة أوبرات صغيرة من أعمال يوسف إدريس، ثم قدمنا أوبرا لبريخت بصياغة مصرية، ثم ق أوبرا «ميرا مار» عن رواية نجيب محفوظ، وحاليًا نحن بصدد تقديم عمل أوبرالي جديد عن رواية «السقا مات» ليوسف السباعي.
باقترابك من أجيال مختلفة من شعراء مصر، كيف ترى أحلام الشعراء الشباب؟
أظن أن كثيرًا من الشعراء لا يحلمون، و إذا كان بعضهم يفعل، فليس لديه القدرة والتكوين الذي يمكِّنه من الإنجاز، فمعظم الشعراء يحلمون بالقصيدة أو بالأغنية، لكن ليس بالعمل المركب.
دار الإعلام العربية
