معروف أن البحر الأبيض المتوسط، قبل أن يكون تلك المساحة المفروشة بالأزرق، هو أسطوري التأثير، يعبق بغنى تأثيراته. وهو أيضاً أكثر من مكان، فلا يقتصر على كونه منبع إلهام أدبي وفني لاستيحاء كبريات الكلاسيكيات الأسطورية، إضافة إلى كونه مصدراً أساسياً للنصوص المقدسة. وهو منذ قديم الزمان مليء بالأساطير اليونانية القديمة.

وانطلاقاً من هذه الرؤية للبحر الأبيض المتوسط، باعتباره مهداً ثقافياً أزلياً، فقد تحول منذ منتصف القرن التاسع عشر، إلى رؤية استلهام بصرية مشتركة لجميع الفنانين، تعبر عن الحرارة والألوان والضوء. تحولات هذا البحر غنية بالميثولوجيا والأسطورة التي لم تتم مرة واحدة، بل أخذت زمناً طويلًا، وخصوصاً في فن الرسم. ونضج ذلك على يد الفنان ماتيس من خلال لوحته «الترف والهدوء والشبق» في عام 1904. وتعتبر هذه اللوحة بمثابة البيان الفني من أجل العثور على توازن مرئي لعالم المتعة الذي تصوره بودلير.

وفي عام 1854 كان الرسام كوربيه رسم لوحة بعنوان أكثر إثارة «على ضفاف البحر في بالفاس»، طرح فيه مفهوما جديدا للعلاقة بين الإنسان والفضاء. وقام كوربيه بتحدي الفضاء الواسع الممتد، والذي انفتح أمامه وعلى الخصوص عندما قال جملته الشهيرة: «لنا نحن الاثنان البحر الأبيض المتوسط». ولوحته تثير على الفور إحدى الأشعار الشهيرة لبودلير، التي يؤكد فيها العلاقة القوية بين الإنسان الحر والبحر المنطلق، ورغبة الإنسان في الوقوف على حافة العالم في الحدود المرسومة بين السماء والأرض.

ومعظم لوحات الرسامين جسدت فضاء الفراغ الموجود بين السماء والأرض. كما قال الرسام سيسلي: «إنني أرسم لوحاتي انطلاقا منن السماء على الدوام». ومن هنا جاءت قوة الرسم عند الانطباعيين، وليس هناك أي تعارض أو تناقض لأن الماء يشبه الغيم، وهما يتحركان دون توقف.

ومن هنا بدأ استحضار البحر بطريقة جديدة في عالم الرسم. وهكذا فإن النظرة التي تكونت من خلال النهر والبحر هي التي انتقلت إلى بقية العالم. ولعل هذا ما جعل الرسام الكبير سيزان، وهو أحد الانطباعيين المترددين، أن يرسم لوحاته تحت جسر «مانسي» في منطقة «سين سور مارن».

وكان مغادرة النهر إلى البحر يعني الانتقال من الضيق إلى الواسع، ومن القريب إلى البعيد، ومن المرئي إلى المتخيل، ومن اللحظة الراهنة إلى اللحظة المطلقة، ومن النهائي إلى اللانهائي.

وعملية الخوض في هذا العالم، تستدعي تحطيم الأفق في صالح الفهم والإدراك. فالرسامون من أمثال سيناك وكروس وفان ريسيلبيرغ ورسامون آخرون من الانطباعيين الجدد، التزموا بهذا المبدأ. وظهرت في ما بعد الكثافة الضوئية واللونية في لوحاتهم، كما قال بول كلودويل: «تحول البحر إلى مرآة، لا حدود لها سواء في المساحة أو العمق.

وأدت تقنية الرسم إلى ولادة موزاييك موحد بين الرسامين يجسد الانسجام والتوازن والاندماج. وهكذا اختلفت رؤية العصر الذهبي والانطباعيين الجدد عن عالم الرمزيين، ولذلك نرى بأن لوحة سيناك عن مناظر البحارة مليئة بالشخوص، كما في لوحته الشهيرة «في زمن الانسجام» 1894، وهي شخوص ذات أشكال نحتية.

ولطالما أوحى البحر الأبيض المتوسط للكتاب والفانين بالخيال الروائي والفني، وأقيمت لذلك العديد من المعارض. ـ ولوحات البحر الأبيض المتوسط، تستشرف آفاقها منذ القرن التاسع عشر عبر لوحات تجسد تساؤلات الفنانين الذين أبدعوا في مجال الرسوم المتوحشة والتكعيبية، أي منذ أن قدم الفنان النحات آرستيد مايلول منحوتته الشهيرة «البحر الأبيض المتوسط» في صالون الخريف عام 1905، وفجّر من خلالها الأشكال القوية والمثيرة، وهي جزء من الأساطير الذي يحتويه هذا البحر.

وقد ظل المنحوت الشهير مصدرا لجميع ما أنتجه الفن الحديث من نحت أو من مخيلة تعكس حقائق هذا الكنز. وفي مقابل هذا، عرض صالون الخريف لعام 1905 لوحات كل من الفنانين الشهيرين ماتيس ودوريان، تلك التي سميت باللوحات الوحشية التي فجرت الألوان عبر النوافذ المطلة على الموانئ المفتوحة على البحر الأبيض المتوسط والصخور المتكلسة والسماء الزرقاء. وكانت تلك بمثابة اللوحات الأولى التي شكلت بذور الفن الحديث.

إيحاءات البحر في الحداثة الفنية

منذ العصور القديمة أوحى البحر الأبيض المتوسط بجميع أشكال الحداثة، والتي هي جزء من وحدة جغرافية محددة قامت حولها العديد من الدراسات. وتاريخ الفن يكشف في الوقت الحاضر التحدي في فهم قوة البحر الأبيض المتوسط وسطوته، مفترق الطرق القديم هذا، كما يصفه المؤرخ الفرنسي المعروف فيرناند بروديل. ومفترق الطرق هذا أنتج، آلاف الأشياء وليس منظرا واحدا بل آلاف المناظر.

وتبرز من هذه اللوحات الشواطئ والقرى والأشجار والصخور التي غيرت من طريقة الرسامين ومناهجهم التصويرية. ومعها البحر الأبيض المتوسط يولد من اختراع المناظر الطبيعية المترامية الأطراف. وبفضل امتداد خطوط السكك الحديدية بين مرسيليا وليون ومارسيليا، أمكن للرسام أن يطل على هذه الشواطئ التي كان ينفذ إليها بصعوبة في الماضي.

وقد أكتشف الرسام كوربيه في عام 1854 تلك الشواطئ حتى مدينة مونبلييه. ومن هنا أكتشف البحر الأبيض المتوسط حيث اللقاء الرومانسي بين الإنسان والموسيقى بمواجهة البحر الواسع واللامتناهي الذي صوره في لوحة «شاطئ البحر في بالفاس»، ما عمم روح التآلف بين الفنانين وزرقة البحر.

وفي الشتاء عندما تهب الرياح القوية على شمال فرنسا وحيث تكون حدائق ـ جيفرني ـ ناعسة، يختار الرسام مونيه الإقامة على شواطئ اللازوردي.

وهنا يستفيد في رسمه من المناظر السياحة لفصل الشتاء. وقد كتب الرسام مونيه رسالة إلى أليس هوشيدي التي ظلت في ـ جيفرني ـ قائلاً لها: «من المؤسف أن تفكري بأنك تشعرين بالبرودة بينما هنا الجو ساخن، إذ تخرج الأشجار من باطن الأرض افتناناً وسحراً».

وفي الواقع، لم يكن اهتمام الرسام مونيه بسواحل البحر الأبيض المتوسط يتحدد بالجوانب المادية، بل تحول بالنسبة له إلى نوع من التحدي لمواجهة ضياء الجنوب. ولم يتوقف قلق الفنان واهتمامه بالبحر الأبيض المتوسط عبر رسائله ولوحاته. وفي عام 1884 كتب قائلاً: «إنني مذعور من تدرجات الألوان التي ينبغي على استخدامها. وأخشى أن تكون فوق طاقتي التعبيرية».

وأجابه الفنان بورديغيرو في عام 1888، قائلاً: «إن السماء ليست فقط اللون الأزرق، بل إنها النيران الزرقاء التي لا يمكن رسمها. وكانت لوحاته في هذه المرحلة تتميز بالألوان الوردية والبنفسجية والزرقاء. وكانت اهتمامات مونيه تنصب في انشغالات رينوار الذي كان يرافقه في فحص الأمكنة وتتبعها بالقرب من مدينة ـ مينتون في عام 1882.

وهو يضيف: «.. من المؤسف أن لوحتنا في ألوان الرسم تكون عاجزة عن تصوير المناظر الجميلة والآفاق البعيدة والألوان الأكثر جمالا وتألقا. إن الضياء التي تثيره تلك الألوان تصب أيضاً في قلب اهتمامات ماتيس اللونية عندما كان في سان تروبيه في عام 1904، مع كل من الرسامين سينياك وكروس، أو في كاليور في عام 1905 حيث إلتحق به الرسام دوريان.

وهنا يقول الرسام دوريان حول طبيعة منطقة كاليور: «إنها الضياء، إنها الشقراء والمذهبة التي تُقصر الظلال وتزيله، فالعمل هنا يتميز بروح طافحة وسيالة».

يمكننا من خلال أعمال كل من مونيه ورينوار، أن نتتبع قوة الألوان الجذابة والخصبة للبحر الأبيض المتوسط. إنها نوع من الضياء التي كانت تشكك بظواهر الأمور، وتكشف عن حدودها الواقعية بحيث تجعل من لوحات ماتيس ودوريان شيئا آخر أكثر من كونها جزءا من الطبيعة. ولوحاتهما تشكل نوعا من الرؤى.

ومن خلال هذا الضوء يمكن إعادة بناء كل شيء من جديد. ويروي سيزان هو الآخر تجربته على سواحل البحر الأبيض المتوسط في إسبانيا.

وقد كتب إلى بيكاسو في عام 1876 قائلاً: «بدأت برسم نموذجين ـ موتيف ـ حيث يوجد البحر، وهما بالنسبة لي مثل لعبة الورق، سطوح حمراء على بحر أزرق.

وكانت الشمس حادة إلى درجة أن المواد كانت تبدو وكأنها عبارة عن ظلال ليست بالأسود والأبيض، بل بالأزرق والأحمر والبني والبنفسجي. يمكن أن أخطئ لكن ذاك يبدو لي على النقيض من النموذج.

وكان سيزان تحت هذه الشمس الراسخة والتي لا يمكن التعويض عنها، يبني عالما تمارس الضياء فيه تأثيرات الآفاق التقليدية، ويكتشف منظرا طبيعيا راسخا، لا يتحرك، إن الخضرة التي تتغير هي عبارة عن أشجار الزيتون والصنوبر التي تحتفظ بأوراقها على الدوام. البيوت متجذرة في الأرض والتربة، والصخور مكدسة الواحدة تلو الأخرى، كما لو جاءت غداة خراب بدائي.

وعلى الطريقة ذاتها، قام الرسام براك بالبحث هو الآخر عما كان يبحث عنه سيزان بعد مرور سنوات أي من عام 1906 إلى عام 1908. ومن خلال ذلك كان يتمكن من العودة إلى اكتشاف ـ هذا الموتيف ـ في أي وقت يشاء عندما لا يكون بحاجة إلى الشمس. وعلى الرغم من مرور كل هذه الحقب، يبقى البحر الأبيض المتوسط ذلك المصدر اللانهائي لكل الاستيحاءات الفنية والأدبية على مر الدهور.

شاكر نوري