يعتبر متحف الشمع الكائن في عين حلوان، من أهم المتاحف في مصر، حيث تم إنشاؤه في العام 1934 م، على يد الفنان جورج عبد الملك، بهدف أن يحاكي غيره من متاحف الشمع العالمية، وذلك كمتحف مدام توسو الشهير في لندن، وغيره من المتاحف .

وتتبدى أبرز ملامح الأهمية في هذا المتحف، انطلاقا من كونه يروي مختلف المراحل في تاريخ مصر الحضاري:الحضارات الفرعونية واليونانية والقبطية والإسلامية، إضافة إلى عصر ثورة يوليو 1952.يتكون المتحف من عدة غرف خصصت بمجمل محتوياتها لتقص بأسلوب شيق وشامل، كل فترة زمنية ماضية لهذه المراحل من التاريخ المصري. ويحيط بهذه الغرف حديقة جميلة، كما عمد مصممو المتحف لجعل الغرف جميعها متصلة مع بعضها البعض بشكل متوالي، غاية أن تضفي قوة الجذب في ماهية سرد الحقب التاريخية التي تختص بها، وتربط هذه الغرف ممرات عديدة تؤدي كلها إلى صالات عرض مقتنيات المتحف.

مشاهد المتحف تروي الغرفة الأولى في هذا المتحف، تاريخ العصر الفرعوني، الذي تمثله الأسرة الثانية عشرة، والتي حكمت مصر 250 عاما، وقد برع الفنان في تجسيد هذه الأسرة وملوكها ابتداء من أمنحوتب الرابع(أول من نادى بتوحيد العبادة والكف عن عبادة الطيور والحيوانات وعبادة الشمس). وهناك أيضا الملك إخناتون وزوجته الملكة نفرتاري، حيث يعتبر اخناتون امتدادا لأمنحوتب الرابع، الداعي إلى عبادة الشمس، إذ تمكن إخناتون من توحيد عبادة الشمس بين الفراعنة.

وكان يمثلها إله الشمس آتون ويظهر بالمشهد أيضا، إلى جانب امنحوتب واخناتون وزوجته، الملك توت عنخ آمون، أصغر الملوك الذين توالوا على مصر، فقد حكم توت مصر وهو في سن الثامنة حتى بلغ الثامنة عشرة، هذا بالإضافة إلى أن مقبرته تعد أول مقبرة تم اكتشافها كاملة.

الإسلام والخلفاء الراشدين

تبرز لنا في غرف أخرى بالمتحف مشاهد تروي قصصا وحكايا متنوعة عن عهد الإسلام والخلفاء الراشدين ومعظم قادة الإسلام، ويظهر في أحد المشاهد تمثال لأشهر قارئ للقرآن في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو عبدا لله بن مسعود، وكذلك مشهد لكسوة الكعبة التي كانت تخرج من مصر بداية من فترة حكم »شجرة الدر» وحتى قيام ثورة يوليو 1952.

وهناك مشهد آخر يدور حول قصة سيدنا عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، والمرأة البائسة، ويقول إن سيدنا عمر كان يتجول ليلا متخفيا ليتفقد حال الرعية، فسمع صوت امرأة تدعو الله وتشكو إليه ظلم الخليفة، فلما تقدم إليها، لم تعرفه، وبادر لسؤالها عن الأمر فأجابته أن أبناءها جياع يصرخون ولا مجيب لهم.

وعمر لا يبالي، فذهب سيدنا عمر إلى بيت مال المسلمين وأحضر لها جوالا من الدقيق وأثناء إعداده الطعام لهم احترقت لحيته بالنار، فقالت المرأة أنت أحق بالخلافة من عمر، فقال عمر» ثقلت بطن أم عمر»، وكان يقصد بها ليت أم عمر لم تلد عمر، فقد تناول المشهد هذه الرواية بشكل مفصل، يجسد حياة الفاروق ورعايته للمسلمين.

تاريخ المتحف

قبل ستة وسبعين عاما، وبعد إعداد استمر نحو عامين، قام الفنان جورج عبد الملك بإنشاء متحف الشمع، حيث كان قد درس صب الشمع في فرنسا وإنجلترا، وشاركه في صناعة التماثيل الموجودة بالمتحف، مجموعة من الفنانين من محبي الفنون الجميلة، الذين تحمسوا لفكرته القائمة على تجسيد الأحداث التاريخية المصرية وإبراز أهميتها على المستويين العربي والعالمي.

حيث تروي التماثيل الشمعية المعالجة كيميائياً، مراحل تطور التاريخ المصري، بداية من العصر الفرعوني ووصولا إلى العصر الحديث، ومرورا بكافة الحقب الزمنية التي شهدتها مصر.

وصنعت التماثيل الشمعية في المتحف بدقة متناهية، تجعل التاريخ مجسما في شكل ملموس، وهو ما جعل منه بحق مؤسسة تعليمية في المقام الأول، إذ يقصده آلاف الطلاب المصريين، إلى جانب كونه مزارا سياحيا فريدا يقصده السائحون الأجانب، كي يتعرفوا على مصر الفرعونية والمعاصرة، من خلال 116 تمثالاً، ينعكس معها بوضوح ما مجموعه 26 منظراً كبيرا، تشكل بانوراما تاريخية، يضاف إليها عدة عناصر مكملة للمناظر، كخلفيات موحية ذات دلالة، مثل أعمدة المعبد والأشجار والأقمشة المستخدمة في صناعة الملابس للعناصر البشرية والحيوانات.

كان يحتل المتحف في بداية إنشائه مقر قصر تيجران باشا في شارع إبراهيم باشا بالقاهرة، وفي عام 1937 م انتقل إلى فيلا في شارع قصر العيني بالقرب من ميدان التحرير، ثم نقلت محتوياته إلى مقره الحالي في منطقة عين حلوان، فافتتح هناك في صيف 1950م، وكان المتحف تابعاً لمحافظة القاهرة وتحت إشرافها إلى أن تسلمته وزارة الثقافة في عام 1997، لينضم إلى قائمة المتاحف التابعة لقطاع الفنون التشكيلية بوزارة الثقافة المصرية.

إن من أهم المشاهد داخل متحف الشمع، منظرا يمثل السيدة العذراء وبين أحضانها المسيح، وإلى جانبها ابن عمها في كهف أبى سرجة في مصر القديمة، وكذلك لسيدنا سليمان على عرشه، ومن ثم منظر يجسد مصرع الملكة كليوباترا وهي على فراش الموت، وخلفها وصيفاتها على ضفاف النيل، وعلى اليمين تمثال آخر لكاهن المعبد أثناء أداء الطقوس لشفاء الملكة.

وفي الخلف أيضاً إحدى وصيفات الملكة والتي كانت مسؤولة عن تجميلها وزينتها، وآخر يصور أسر لويس التاسع عشر في دار «ابن لقمان» بالمنصورة، ومنظر يمثل محمد علي باشا يستعرض الأسطول، ولوحة تمثل الخديوي إسماعيل يستقبل الإمبراطورة أوجيني في أثناء حفل افتتاح قناة السويس عام 1869، وكذلك مشهد يصور كسوة الكعبة التي كانت تصنع في مصر، ومشاهد من حادثة دنشواي.

محمد الحمامصي