منذ مطلع تسعينيات القرن الأخير، وحتى العشرية الأولى من القرن الحالي رحل عدد كبير من الأدباء العرب يشكلون ضميراً أصيلاً لمجتمعهم، تاركين خلفهم فراغاً هائلاً في علم الأدب، فراغ سيطول الوقت حتى يستعيد العرب ألقهم الثقافي كما كان في النصف الثاني من القرن العشرين، رحلوا بعدما تمكن منهم الزمن وهزمتهم الأمراض أو أقعدهم العمر على ناصية الحزن، فدب اليأس إلى أرواحهم قبل دبيب المرض في أبدانهم، وكأنهم خسروا رهاناتهم تجاه الحياة، لكنهم لم يخسروا ذاكرة المستقبل.
نجيب محفوظ، الطيب صالح، نزار قباني، محمد مهدي الجواهري، محمود درويش، محمد الماغوط، سهيل إدريس، عبد السلام العجيلي، عبد الوهاب البياتي، بلند الحيدري، فؤاد زكريا، محمود أمين العالم، محمد عفيفي مطر، عبدالرحمن بدوي، حمد الجاسر، منصور الرحباني، أنيس الصايغ، مصطفى محمود، محيي الدين اللباد، أحمد أمين مدني،عصام محفوظ، الطاهر وطار، الميداني بن صالح، نقولا زيادة، أحمد مستجير، الهادي آدم،هاني الراهب،ممدوح عدوان ،نصر حامد أبوزيد، وتطول القائمة نحو عدد كبير من الفنانين والرسامين والمثقفين الذين أثروا الحياة الفكرية العربية أكثر من نصف قرن.
رحل هؤلاء في وقت تتراجع الحريات وترتفع نسبة الأمية (عشرة ملايين طفل عربي خارج المدرسة) وبنسبة مفجعة (خُمس سكان العراق لايجيدون القراءة والكتابة!)، رحلوا في ظل العودة إلى تمجيد الماضي وتقديس الأمس، وفي ظل فلسفة (افتح سجناً، تُغلق مدرسة) .
ويكاد التراجع الثقافي يصل إلى ذروته عندما بدأ مسيحيو الشرق يهاجرون بالآلاف من بلدانهم نحو أصقاع العالم بحثاً عن أمنهم وأمانهم، وكأن لا أحد يتذكر من وقف ضد سياسات التتريك والفرنسة كما وقف اليازجي والبستاني وغيرهم من مسيحيي الشرق، والأسف الأكبر على ما وضعته الحرب من فرز طائفي وصل إلى تنابذ الجيران وافتراق الأهل.
ذات يوم كان المثقف حارساً للقيم الأصيلة في مجتمعه، وكان لا ينطلق من لونه وعرقه، بل من وطنيته وغيرته على أمته، وكان هؤلاء دعاة تحرر ووحدة قبلما يكونوا دعاة تغريب وضياع، هؤلاء الذين يستحقون منا كل يوم أن نتذكر كلماتهم ونتمثل قيم الحق والخير والجمال من أفكارهم، يستحقون منا أن نحتفي بهم عبر ندوات ومهرجانات وتظاهرات تلهم الأجيال الجديدة وتعطيهم ضوء الغد ليتلمسوا طريقهم نحو مستقبلهم، علّ في ذلك فائدة لأوطانهم.
