من بين أكثر المسائل المطروحة على العدالة وعلى السلطات العامة في عصر ثورة الاتصالات والمعلوماتية هناك مشكلة «الملكية الفكرية». وإذا كانت هذه المشكلة قد أخذت أبعادا كبيرة في السياق الراهن خاصة مع شبكات الانترنت، فإنها مشكلة قديمة جدا، والمؤرخ الأميركي، الأستاذ في جامعة شيكاغو «ادريان جونس» يتحدث عن «حروب الملكية الفكرية من غوتنبرغ إلى غيتس» في كتابه الذي يحمل عنوان «القرصنة».

إن المؤلف ـ المؤرخ يقوم في هذا الكتاب بقراءة «تاريخية» لمسألة «الملكية الفكرية» منذ اختراع المطبعة على يد «غوتنبرغ» وتعميم المعرفة عبر الكتب المطبوعة بأعداد كبيرة من الكتب بدلا من نسخة أو عدة نسخ قليلة مكتوبة باليد وحتى عهد شبكات الانترنت الذي جعل من «غيتس» أحد الأكثر ثروة في العالم.

وتتم دراسة «الملكية الفكرية» تحديدا عبر مشربين أساسيين، الأول هو تطور القوانين الخاصة بـ «حقوق المؤلفين» في مختلف قطاعات الإبداع الأدبي والفني والموسيقي ، والثاني عبر دراسة «منظومات تسجيل الإنتاج الفكري».

الفصول الأولى من الكتاب تتعرض لتطوّر مفهوم الملكية الفكرية بالتوازي مع تطوٍّ الطباعة، وخاصة في الحقبة «ما قبل الصناعية» في انكلترا خلال القرن الثامن عشر. والفكرة الأساسية التي تتكرر في هذه الفصول هي تأكيد المؤلف أنه «الشركات» ذات الطابع التجاري حاولت منذ العصور الوسطى وحتى عصر التنوير الدفاع عن مصالحها الاقتصادية وبالتالي أولت اهتمامها للبحث عن عمليات «القرصنة الفكرية» في الدوائر المحيطة بها.

ويشرح المؤلف أنه بعد انتشار الصحافة المطبوعة في بريطانيا جرى التأكيد على «الملكية الفكرية» من خلال عمليات احتكار وافق عليها التاج البريطاني أو من خلال تأسيس هيئات مهمتها معاقبة أولئك الذين يقومون بـ «إعادة إنتاج الكتب دون الحصول على إذن مسبق بذلك». ومنذ البداية كانت هناك تحديدات خاصة بعملية الطباعة بحيث يتم «تسجيل الكتب» المراد طباعتها من قبل دور نشر أو من قبل مؤسسات محترقة، بينما أن نشر الكتب المعاد طبعها والنسخ «غير الشرعية»، التي كانت تتعرّض عامة بالنقد للسلطات العامة أو للتاج البريطاني، كان يتم بواسطة بعض الخاصة ممن يقومون بإعادة إنتاجها في «أوكار» أو «زوايا» سرية.ويذكر المؤلف في هذا السياق اسم أحد أشهر «قراصنة» النشر و»إعادة طباعة» الكتب، وهو الاسكتلندي «الكسندر دونالدسون» الذي أكّد أن «التجسس» على دور النشر الخاصة يهدد الحريات العامة. وفي عام 1774 تبنّى مجلس اللوردات الإنجليزي ما يعتبره المؤلف «القضية الأكثر أهمية في التاريخ القضائي الإنجليزي-الأميركي» عندما رفض فكرة الحقوق الدائمة للمؤلف. هكذا «نجح القراصنة في أن يطرحوا أنفسهم بصفة المدافعين عن حرية التعبير وعن الحياة الخاصة وعن الحق العام».

ويؤكد المؤلف أن مثل هذا النموذج من التفكير عاد إلى الظهور في القرنين التاسع عشر والعشرين. ذلك عندما امتلك «قراصنة الموسيقى» في عام 1902 حق إعادة إنتاج «المؤلفات الموسيقية» بحيث أنهم كسبوا من ذلك «الإجراء الثوري» أكثر مما كسب الناشرون الأصليون لها.

لكن هؤلاء استطاعوا إقناع الحكومة بضرورة تشديد الإجراءات الخاصة بصيانة «حقوق المؤلف». وكانت النتيجة أنه أصبح بمستطاع رجال الشرطة، وبناءً على طلب ضحايا القرصنة، مصادرة «النسخ» التي جرت «قرصنتها»، دون إذن قضائي. هنا أيضا برز «القراصنة» وكأنهم «المدافعون الأبطال عن الحياة الخاصة» بسبب «اقتحام» الشرطة لبعض المنازل «الأمر الذي لا تسمح به القوانين».

وفي إطار «حروب الملكية الفكرية» يذكر المؤلف عدد من «مشاهير القراصنة» مثل «ماتيو كاري» الأميركي الذي دعا باسم «النزعة الاقتصادية الوطنية» إلى إعادة طباعة جميع الكتب والمطبوعات الأوروبية «مجانا». مثل ذلك الموقف وضعه في حالة عداء شديد مع ابنه الذي اعتبره سببا في «تدمير العائلة» اقتصاديا بسبب الكلفة العالية لإعادة الطباعة. ولم يكن من الأب سوى أن اتهم ابنه بـ «الخيانة العائلية»، ودعاه إلى «المبارزة». أحد فصول هذا الكتاب «الفصل الثالث» يشرح كيف أن الولايات المتحدة قد وُلدت كأمة «قرصان، ترفض الاعتراف بحقوق المؤلفين الأجانب، خاصة البريطانيين.

وفي الفصل الأخير من الكتاب يصف المؤلف كيف تعاد قراءة المعارك القديمة حول الملكية الفكرية والقرصنة وحماية حقوق المؤلف والمعلومات الشخصية.

ولا يتردد في القول أن النقاش الكبير الدائر اليوم حول «الكتاب الرقمي» حسب المشروع الذي تتبناه مجموعة «غوغل» يذكّر بالمحاولات التي عرفها عصر التنوير في القرن الثامن عشر من أجل تأسيس مكتبة شاملة، كونية. كما تذكّر بالنقاشات حول «تسجيل» الكتب لدى المصالح المختصة قبل طباعتها أو حول تسجيل العقاقير الصيدلانية الجديدة خلال الحقبة الفكتورية ببريطانيا.

ويختتم المؤلف كتابه بشرح أن اللحظة التاريخية الراهنة تشهد صعود ما يسميه بـ «صناعة الدفاع الفكري عن الملكية». ونقرأ: «إن القرصنة انتشرت وتنوعت بحيث أن صناعة مضادة رأت النور من أجل مكافحتها. أن تناسق هذه الصناعة ومداها جديدان نسبياً. هذا وخلال القرون السابقة كانت المجموعات أو الصناعات الخاصة قد قامت بجهود ضد القرصنة لكنها لم تنظر إليها عامة كقضية مشتركة؛ لكنها تفعل ذلك الآن».

حروب الملكية الفكرية منذ ظهور «ثقافة المطبوع» في القرن الخامس عشر وحتى «هيمنة الانترنت» في القرن الحادي والعشرين.

الكتاب: القرصنة، حروب

الملكية الفكرية

من غوتنبرغ

حتى غيتس

تأليف: ادريان جونس

الناشر: جامعة شيكاغو

2010

الصفحات: 640 صفحة

القطع: المتوسط

Piracy : the intellectual property wars from Gutenberg to Gates

Adrian Johns

Chicago University Press- 2010

640p.