بعد أن أولت الروائية والكاتبة الفرنسية صوفي شوفو اهتمامها لما أسمته بـ «قرن فلورنسة» ورسمت صورا ل»ليبي» و»دوفنشي» و»بوتشيللي»، انصبّ اهتمامها على عصر التنوير الفرنسي. هكذا قدّمت كتابا عن «ديدرو، السنوات البوهيمية» في عام 2009، وصدر لها منذ فترة قريبة كتاب آخر عنه تحت عنوان «ديدرو، العبقرية الجامحة».
إن المؤلفة تكتب عن سيرة حياة «ديدرو» بصيغة روائية ، وتشير إلى أنه منذ خروجه من سجون «فانسين» بالقرب من باريس، انكبّ على إعداد أحد أهم إنجازات قرن التنوير، وما تسميه المؤلفة ب»مغامرة الموسوعة-الانسكلوبيديا».
وتشرح على مدى العديد من الصفحات قصة صداقته الحميمة مع أحد أكبر مفكري فرنسا طيلة تاريخها، أي فولتير. كانا قد التقيا في باريس وربطت بينهما صداقة متينة قبل أن ينفرط عقدها وتترك «جروحا غائرة» لا تزال أصداؤها تثقل على ذاكرتهما حتى اليوم.
وصفحات أيضا في هذا الكتاب عن زيادة ديدرو إلى بلاط «كاترين الكبرى» في بطرسبورغ بروسيا. وتركز المؤلفة على الاندهاش الكبير الذي عاشه أمام منظر البحر أثناء سفره. وتشير المؤلفة إلى ذلك الحوار «المدهش» الذي تبادله مع سيدة روسيا آنذاك مما أثار الكثير من «الغيرة» لتبدأ بالتالي سلسلة من أشكال «سوء الفهم».
وتعود المؤلفة في «روايتها التاريخية» عن حياة ديدرو في فترة «الموسوعة»، أي ما بعد «السنوات البوهيمية» موضوع كتابها الأول، إلى الحديث عن الجدل الكبير الذي ثار في باريس بسبب أفكار ديدرو وحولها حيث هاجمه خصومه بشدة وعنف ودافع عنه محبّوه بقوة وحماس.
وكانت شهرته قد طالت أوروبا كلها، بل وأكثر مما كان قد عرفه على الصعيد الفرنسي نفسه.
وإذا كانت المؤلفة تولي الكثير من اهتمامها في الكتاب لعرض الأفكار التي دافع عنها ديدرو ومعه «الموسوعيون» الذين شاركوه عمله فإنها تتحدث كثيرا أيضا عن ديدرو «الإنسان». وتنقل عنه في الجملة التي تصدّرت الفصل الأول قوله في إحدى مراسلاته:
«لقد وجدت نفسي مرغما طيلة حياتي على أن ألحق اهتمامات لم أكن مهيئا لها شخصيا وأن أتخلّى عن أخرى كانت تتماشى مع ذوقي وموهبتي وبعض الأمل في النجاح بها».
تتم الإشارة إلى أن اعتقال ديدرو من قبل «النظام القديم» وزجّه في السجن كان بسبب «دفاعه الشرس عن الحريّة». ثم إن «اضطهاده بسبب أفكاره وكتاباته جعل منه بين ليلة وضحاها بطلا». ذلك لسبب بسيط وهو أنه «لا يمكن وضع الفكر في السجن»، كما قال له القس الذي زاره في السجن ذات مرة.
وبعد 122 يوما في السجن يستعيد ديدرو حريته من جديد. وكان الشيء الأول والأساسي الذي فعله هو إشباع فهمه للقراءة والكتابة.
لقد كان يريد استعادة الشجاعة من أجل تحرير بعض المقالات التي كان قد التزم بتزويد «الموسوعة» بها. أما همه الأول فقد كان، كما تعبّر المؤلفة، هو أن «يفهم ويدفع الآخرين إلى طرح الأسئلة».
وما يتم تأكيده في هذا السياق هو أن أفكار ديدرو كانت تتسم بقدر كبير من الوضوح. وكانت دعوته لتحكيم العقل في مختلف الأمور قد جلبت عليه دائما غضب السلطات العلمية «التقليدية»، خاصة في جامعة السوربون آنذاك.
وبالوقت نفسه حامت الشكوك حول «الموسوعة» وساد مناخ أدّى إلى منع توزيع الأجزاء الأولى منها، أو على الأقل الحد كثيرا من توزيعها.
و»في مثل ذلك المناخ كان يكفي الذهاب أبعد قليلا حتى تشيع فكرة المؤامرة». تتم الإشارة في هذا السياق إلى أن التضييق على ديدرو وصل إلى حد أنه «لم يكن يجد ما يؤمّن قوت يومه».
وإذا كان ديدرو يؤكد على أهمية «العقل» فإنه كان يؤكد أيضا على أهمية أن يكون الإنسان «فاضلا» في سلوكه. أن يكون «فاضلا» كي يكون سعيدا.
وتنقل عنه المؤلفة قوله: «كنت لا أزال شابا يافعا عندما خطرت لي فكرة أن الأخلاق كلها تكمن في الإثبات للبشر أنه كي يكونوا سعداء ليس هناك ما يمكن أن يفعلوه في العالم أكثر من أن يكونوا فاضلين».
لقد أمضى ديدرو سنوات طويلة من حياته منكبّا على إنجاز «الموسوعة» التي كان يشرف عليها مع مئات المساهمين. وبعد أن «تحرر» من عملها «اقترب أكثر فأكثر من عصره». وقد كان أحد رموز ذلك العصر الذي سبق قيام الثورة الفرنسية الكبرى عام 1789. لقد بدأ بالكتابة «سرّا» آنذاك عن مظالم عصره «قبل أن يتجرأ للكتابة علنا».
وتنقل عنه المؤلفة ما كتبه في «رسالة خاصة» إلى فولتير، ما مفاده: «أعرف أننا محاطون بالشرطة وبالوشاة وأعرف أن إنسانا شريفا يمكن أن يفقد بأربعة وعشرين ساعة ثروته بسبب طمعهم وأن يفقد كرامته إذ لم تعد هناك قوانين وأن يفقد حريته فالاستبداد ظالم وأن يفقد حياته إذ أنهم لا يجدون لحياة الإنسان أي ثمن».
تبقى الصفة الأساسية التي تؤكد عليها المؤلفة في شخصية ديدرو هي حبه للحياة. هذا ما عبّر عنه بجملة تنقلها عنه وتختارها في تقديم الفصل الأخير من الكتاب ومفادها: «لا يريد الإنسان أن يموت والموت يأتي مبكّرا دائما».
في عام 1784 توفي ديدرو، الذي «يروي» هذا الكتاب سيرة حياته كإنسان وكمفكّر ساهم في صياغة مفاهيم عصره.
الكتاب: ديدرو، العبقرية الجامحة
تأليف: صوفي شوفو
الناشر: تيليماك باريس 2009
الصفحات: 315 صفحة
القطع: المتوسط
Diderot, Le génie débraillé
Sophie Chauveau
Télémaque ـ Paris- 2009
315p.
