يلمح المؤلف أنه في خضم مدخلات وتباين ألوان التأثيرات الحياتية المعاصرة، كادت تختفي من أفهام الناس مصطلحات سامية نبيلة كمصطلحات:
الزوجة، والأم، والأخت، وصلة الرحم، والأمومة، والأبوة، وبر الوالدين، وأصبحت الصلات الاجتماعية بين هؤلاء الناس صلات مادية ميكانيكية تجري وفق المصلحة السريعة والقيم الزائفة والعادات المستوردة، فذابت هذه القيم أو كادت.ومن المؤلم أن هذا كله يحدث تحت عناوين عدة، خادعة، ولافتات كثيرة توضع كلها في غير موضعها. إن المرأة هي ـ في أوجز تعبير ـ ريحانة الدنيا والآخرة في حياة الرجل، وهي تصنع معه الحياة الإنسانية، التي لولا وجودها ووجوده، وفق تقدير الله عز وجل، لما استمرت الحياة الإنسانية على وجه الأرض.
ويلفت المؤلف إلى أن هذا الكتاب ليس كتاباً في الفقه والأحوال الشخصية، يمكن أن نبحث فيه عن أحكام الزواج والطلاق، والميراث والوصية، وغيرها من مسائل الفقه، إنه ليس كذلك تماماً، مؤكداً أن لدينا كتباً وافية في هذه الموضوعات.
وإن كنا لا نزال بحاجة إلى أن يواكب الفقه تطورات الحياة فيقدم جواباً شافياً للمرء المسلم عن كل ما يعترض حياته من أمور تجد عليه كل يوم، وبخاصة الأمور المالية والتجارية وأمور العمل والدراسة والعلاقات الإنسانية وغيرها.
ويوضح أبوعودة أن الكتاب هو في الحقيقة نظرات بيانية في الآيات القرآنية التي تحدثت عن مسائل الرجل والمرأة. في أحوال كل منهما المتنوعة، أي التحديق في الأنماط والتراكيب اللغوية التي وردت فيها آيات الله عز وجل.
فالقرآن نزل بلسان عربي مبين، وقد شاء الله عز وجل أن يكون كتابه الكريم قرآناً عربياً، وهذا ـ باختصار ـ يعني أن الله عز وجل أنزل شرعه الحكيم في كتاب، وأن هذا (الكتاب) نزل على صورة (القرآن) الكريم الذي جعله الله عز وجل معجزاً في بيانه.
وبيان القرآن، ما يعني أن وسائل التعبير فيه ووسائله وأنماط التركيب اللغوي، وتنوع الأساليب من قسم وأمر ونهي ودعاء ونداء، كل ذلك ورد في أسلوب قرآني معجز، وعرف العرب مادته الأساسية في أدبهم، شعراً ونثراً.
ويشير الكاتب إلى أنه تناول الآيات الكريمة بالتحليل البياني، معتمداً على معطيات اللغة وأسرار التركيب اللغوي، مؤكداً أن كل نمط لغوي له دلالته وله أسراره.
فتنوع الأفعال بين الماضي والمضارع والأمر، وتنوع الأفعال بين البناء للمعلوم والبناء للمجهول، وتنوع الصيغ الصرفية بين المشتقات العديدة المتنوعة، وتنوع الأسماء بين المفرد والمثنى والجمع، والتأمل في أسرار التقديم والتأخير وأسرار التعريف والتنكير وتدبر دلالات الحذف والذكر واستنطاق أساليب القول المتنوعة، بين النداء والأمر والنهي والاستفهام والقسم.
إن النظر في الآيات القرآنية ومحاولة استخراج ما تشتمل عليه من دلالات ومعان وفق هذه الأنماط المتنوعة، يكشف للباحث كنوزاً من المعرفة وفيوضاً من الدلالات والأفكار، وزهوراً من اللطائف كل ذلك في إطار من الخصائص الثابتة للتفسير القرآني، خصائص الصدق المطلق والمعرفة المتطورة والدلالات المستمرة التي يسهم فيها التطور العلمي، وتنوع وسائل المعرفة إسهاماً واسعاً بحيث يجعلها موافقة لحاجات الإنسان وتطور وسائل حياته، وتعدد مصادر معرفته على مر الأزمان.
ولما كانت آيات القرآن الكريم ثابتة ودلالات اللغة واضحة وصحيحة، فإن ما يتوصل إليه الباحث يمكن أن يعد من قبيل الحقائق العلمية التي يتوصل إليها البحث الدقيق، خاصة إذا كان همّ الباحث الإسهام في بيان ما في القرآن الكريم من صور الإعجاز، ومن لطائف البيان، ومن أسرار التفسير دون أن يكون متحيزاً إلى فئة من الفئات التي تعبد الله على حرف، فتفسر آيات القرآن الكريم وفق هواها.
ووفق مبادئها، فتجعل القرآن الكريم تابعاً لما هي عليه من مواقف فكرية أو سياسية في الوقت الذي يجب أن يكون القرآن الكريم في كل ما يكتب عنه، وما يؤلف حوله أساساً يقاس عليه، وقاعدة تنطلق منها النظريات والعلوم والأفكار والسياسات، لا أن يتوجه الكتاب والمفسرون بآيات القرآن إلى ما يريدون هم أن يزرعوه في أذهان الناس من أفكار أو مبادئ.
الكتاب: هو وهي قصة المرأة والرجل في القرآن الكريم
تأليف د. عودة خليل أبوعودة
الناشر: سلسلة روافد الكويت 2008
الصفحات: 242 صفحة
القطع: المتوسط
محمد الحمامصي

