يختتم «جمال محمد غيطاس» صفحات كتابه «الديمقراطية الرقمية»، بما أظن أنه أوجز الكثير من حصيلة أفكاره، تحت عنوان «حقوق الإنسان الرقمية». يرى أن دور التكنولوجيا الرقمية لم يتوقف دورها عند تجديد أدوات الممارسة الديمقراطية لتتم بوسائل رقمية، وبإعلاء شأن النماذج الديمقراطية..
بل تعدى ذلك إلى مستوى أوسع تتصل بحقوق الإنسان في العصر الرقمي، والتي بالضرورة تختلف عما كانت عليه في السابق.يقال إن «الانترنت» يعد الآن من أهم موارد التنمية للجميع، سواء الأفراد أو المؤسسات والدول..
كما يتيح التكافؤ الاجتماعي في التعليم، ويزيل الفوارق الاجتماعية في الخدمات المختلفة. بينما يرى البعض الآخر، أن «الانترنت» ستزيد القوى قوى، إلى جانب رأس المال القوى يضاف القوى الناعمة الجديدة المتمثلة في المعارف والمعلومات، التي بدورها ستحيلها إلى سلعة..
وأيضا ستتيح «الانترنت قدر أكبر من الديمقراطية، حيث الشفافية، ونشر واستقبال الآراء والأخبار والمعلومات وكلها ظواهر ديمقراطية.
لذا يعد تناول «جمال غيطاس» في معالجته لموضوعه «الديمقراطية والرقمية» متميزا، حيث تناوله من العام إلى الخاص، بمعنى بحث طويلا في كيفية توطين التكنولوجيا الرقمية. فعالج موضوعه على وجهين: الأول «الديمقراطية من منظور تكنولوجيا المعلومات»، والثاني «تكنولوجيا المعلومات من منظور الديمقراطية».
وهو في جانب يرى أن «التكنولوجيا» على كل أشكالها لا تهب الديمقراطية، مهما كانت تتضمن ميزات.. وأن ممارسة وتطبيق الديمقراطية هي من نتائج إرادة الراغبين فيها وبمعاونة التكنولوجيا.
كما يرى أن التكنولوجيا الرقمية قادرة على إتاحة العديد من المعطيات التي تزكى الديمقراطية، مثل: الحوار والتعبير عن الرأي، وإجراء الاستطلاعات والإحصاءات الكاشفة والهامة، ثم يمكن أن تتحقق الديمقراطية بواسطة المجتمعات الرقمية المتنوعة (المنتديات والشات أو غرف المحادثة وغيرها).
لعل التجربة الهندية، تعد نموذجا ناجحا وناصعا في مجال الديمقراطية والرقمية.. على الرغم من التعددية والطائفية والفقر ببعض الأماكن بها، مع الأعراف الغريبة والثقافات الخاصة.. إلا أنها، أي الهند نجحت في تحقيق الديمقراطية وتوظيف الرقمية لخدماتها.
كما أن «اسكتلندا» وظفت الرقمية من أجل نشر الوعي الانتخابي، مع مداومة التواصل مع نواب البرلمان هناك.إذا كانت أدبيات الديمقراطية أو الفكر الديمقراطي، قديما وحديثا، أفرزت مسميات عديدة للديمقراطية، أو لأشكالها المعبرة عنها، فإن الكاتب لم يغفلها، عرضها وقدم وجهة نظر رقمية في كل منها.
الديمقراطية النيابية، هي أكثرها شيوعا، تتسم بعدم احتياجها إلى تواجد مكثف لوسائل تكنولوجية لانتشارها، نظرا لتوافق الناس على اختيار مجموعة تتحدث باسمها.
أما الديمقراطية التشاركية.. وهى التي تتضمن الديمقراطية الاستباقية، والتداولية، وديمقراطية الوصول المباشر، والديمقراطية غير الحزبية، والديمقراطية الصاعدة، ثم الديمقراطية المباشرة.. وكلها تتسم بالمشاركة. تلك الديمقراطيات في حاجة أكثر إلى التكنولوجيا الرقمية.. حيث توفير المعلومات، وإيصال الأخبار، وإبداء الرأي على أعداد كبيرة.
إلا أن جمال غيطاس لم ينه موضوع كتابه إلا بعرض هام لصور ومفاهيم «المسؤوليات والالتزامات الواجب مراعاتها، وان أجملها في عدد من النقاط.. قانونا إذا كان الحق يقابله التزام في القانون، فإن الإخلال بهذا الالتزام يرتب المسؤولية، أي أن الالتزام أو المسؤوليات هي مرآة الحقوق للجميع.. هناك التزامات ومسؤوليات جديدة أفرزتها التكنولوجيا الرقمية، مثل دور الأفراد (أطلق عليها مسؤوليات صغرى). ثم التزامات الوسيط، ويدور الحوار في أوروبا أن إخلال الوسيط بالتزاماته قد يؤدى إلى الإخلال بتطوير الانترنت (أطلق عليه مسؤوليات متوسطة) لذا صدر قانون (الوسائط المتعددة) في ألمانيا، وقانون (تقنين التنظيم الآلي لخدمات الانترنت) في ايطاليا.
أما المسؤوليات الكبرى فهي تلك التي في مواجهة الجزع أو القلق، على مستوى الدول والهيئات الكبرى تجاه تأثير تكنولوجيا الرقمية.
أوجز جمال غيطاس أفكارا أساسية للتعامل التكنولوجيا هي: حق الاتصال المفتوح بالانترنت، وأن تكون الشبكة عالية السرعة (مثل تقنية لطلب الهاتفي) مفتوحة دوما، مع ضرورة أن يمتلك المواطنون القدرة على اختيار المحتوى داخل الشبكة وبها، دون قيود من الشركة موفرة الخدمة.. ثم الحق في اتصالات غير مقيدة، واستخدام أي من الخدمات القانونية ونقل أي بيانات..
كما طالب بالحق في شبكات مجتمعية قوية، مثل تلك التي تربط الهيئات المحلية والمؤسسات الاجتماعية، وقنوات متطورة للوصول إلى الخدمات الحكومية والتعليم والخدمات العامة.. أما الحق في حصة بالتليفزيون الرقمي، سوف يزيد من بث قنوات جديدة متعددة الأغراض، مثل برامج الأطفال والبرامج التعليمية وغيرها..
الكتاب: الديمقراطية الرقمية
تأليف: جمال غيطاس
الناشر: الهيئة المصرية للكتاب «مكتبة الأسرة القاهرة 2009
الصفحات: 260 صفحة
القطع: الكبير
السيد نجم
