يوضح مؤلف الكتاب، أن الحديث عن نوايا الثورة الإيرانية في التوسع داخل المنطقة العربية والإسلامية، والرغبة في استعادة الطموحات الإمبراطورية السابقة، تحت شعار المواجهة مع الولايات المتحدة والدفاع عن الإسلام وعن قضية فلسطين ودعم المقاومة في لبنان، حديث لا يستند إلى التحليل الواقعي بل إلى تأثيرات خارجية.

وهو في خضم هذا لا ينكر أن الطموحات الإيرانية كانت كبيرة بعد انتصار الثورة مباشرة، وأن الكثير من القادة ورجال الدين تحدثوا عن مثل هذه الطموحات واستعدادهم لدعم الثورات في المنطقة في حال نشوبها، غير أن مثل هذا التوجه لم يكن مشروعاً واعياً ومتكاملاً، بل كان مجرد حماسة ثورية تتوافق مع تلك الطموحات لرؤية التغيير الإسلامي يعمّ العالم.وحتى لو كان تصدير الثورة مشروعاً واعياً، فإن الحرب التي شنها العراق على إيران بعد سنة واحدة من قيام الثورة، عطلت هذا المشروع وجعلت النظام الإيراني يغرق في الدفاع عن نفسه.

حيث لم يعد تصدير الثورة أولوية بالنسبة للنظام في إيران، وإنما تفرغت إلى إنقاذ النظام الذي كان مهدداً.

والدليل على ذلك - حسب المؤلف- أن إيران في عهد الرئيس رفسنجاني (1989 ؟ 1997) توجهت إلى إعادة الإعمار والتنمية والانفتاح على العالم، بالإضافة إلى تخفيف التوتر مع الدول العربية وأوروبا، الناتج عن وقوف تلك الدول مع العراق في حربه ضد إيران.

ويدلل الباحث على عدم مشروعية الحديث عن « مشروع إيراني » في المنطقة، بالتأكيد على أن تدخل إيران في المنطقة والدور الذي تقوم به بالنسبة لفلسطين ولبنان وتدخلها في العراق بعد عام 2003، ناتج عن أحداث وسياسات ليست إيرانية، بل هي تدخلات أميركية وإسرائيلية في المنطقة.

فدعم إيران لحزب الله ونجاح هذا الحزب في مقاومة إسرائيل في لبنان، ما كان ليحصل لو لم تجتح إسرائيل لبنان عام 1982، بل إنه لولا الاجتياح لما ظهر حزب الله على الوجود.

ويستغرب الباحث الموقف العربي من «برنامج إيران النووي»، ويعتبره غير واضح ومتذبذب، إذ كانت مواقف العرب من حصول إيران على « التكنولوجيا النووية للأغراض السلمية »، تتغير طبقاً لتطور المواقف من سياسة إيران تجاه الملفات الخاصة بكل دولة عربية.

وهو الأمر الذي جعل إيران غير مطمئنة للموقف العربي، ومن التداعيات التي يمكن أن تنجم عن أي تهديد أميركي بضرب المفاعلات النووية،أو توجيه ضربة قاسية لإيران نفسها.

لذلك فإن المؤلف يعتقد أن هذه المواقف العربية المخيبة لأمل إيران، هي التي تقف وراء تصريحات بعض الشخصيات الإيرانية بأنها ستضرب المصالح الأميركية في منطقة الشرق الأوسط في حال تعرضها لأي هجوم، ما يعني ضمناً ضرب القواعد الأميركية في دول الخليج.ومن الملفات الساخنة التي تؤدي إلى توتر دائم في العلاقات العربية الإيرانية، هناك مسألة أمن الخليج.

فإيران تعتقد أن وجود قوات غريبة في المنطقة أمر يهدد أمن الخليج ويثير قلقها. ولذلك تدعو إيران إلى حل يقوم على أمن مشترك عربي _ خليجي _ إيراني بعيداً عن التدخل الأجنبي.

غير أن المؤلف يعتقد أن الخليجيين يرفضون مثل هذا الحل، وذلك لانعدام الثقة بينهم وبين إيران، ولأن أميركا نفسها لن تقبل بمثل هذا التعاون. أما بالنسبة للدور الإيراني في العراق، فإن المؤلف يذهب إلى عدم إمكانية مناقشته بمعزل عن الدور الذي تريد لعبه أطراف عربية وغربية في الساحة العراقية. فإيران تريد من العراق أمرين أساسيين:

الأول أن لا تأتي حكومة عراقية معادية لها، وثانياً أن لا يتحول العراق إلى مصدر خطر يهدد الأمن الإيراني.

ومع ذلك فإن إيران لا تخفي سعيها إلى حماية مصالحها في العراق، ولذلك يجدها المؤلف تبدي بعض المرونة من خلال القبول بحوار إيراني أميركي حول العراق من حين آخر.

الكتاب: جيو استراتيجيا الهضبة الإيرانية إشكاليات وبدائل

تأليف: د. طلال عتريسي

الناشر: دار الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي بيروت 2009

الصفحات: 264 صفحة

القطع: المتوسط

رشيد الحاج صالح