أثناء دراستها الجامعية في باريس، قضت الكاتبة والمخرجة هالا محمد، قرابة عشر سنوات في مزاولة العمل الصحفي وكتابة الشعر، وحين دخلت عوالم الفيلم التسجيلي اختارت الموضوعات الإشكالية الساخنة، وأكدت على قضايا الحرية والحوار وحق الاختلاف. وتميز أسلوبها الإخراجي بلمسة شعرية خاصة.

بين تاريخ حصولك على شهادة الإخراج السينمائي وتاريخ أول فيلم أخرجته زمن طويل انقضى في ممارسة العمل الصحفي وكتابة الشعر، فما هو سر التأخير ودخول عوالم أخرى من خارج اختصاصك؟ درستُ الأدب الإنجليزي في جامعة دمشق. لم يكن هذا ما أريد.. لكنني لم أكن لأقرأ شكسبير بالإنجليزية لولا ذلك. أتيت من مدينة اللاذقية وكانت دمشق آنئذٍ تبتعد أكثر من المسافة الجغرافية عن مدينة اللاذقية ! كانت تبتعد ثقافيا. في تلك الفترة كانت جامعة دمشق تضم نخبة من الشباب العرب، وكانت فترة أواخر السبعينات، فترة حراك ثقافي وسياسي وفكري.

لم أنجحْ في الأدب الإنجليزي في كلِّ السنوات.. كنت أغرق في سحر فضول تكوين وجهتي عن الدنيا.. واليسار كان شديد الغواية آنئذٍ، كان يحمل مشعل الثقافة والذهاب إلى الإنسانية عن طريق أفكار كالعدالة والحرية والأممية.

كان التشكيليون السوريون والمخرجون المسرحيون وخريجو معاهد السينما، وخاصة معهد « فغيك « في موسكو، قد بدأوا بتكريس ملامح ثقافية لحياة المدينة الثقافية.. وكان النادي السينمائي، الذي أسسوا طقوسه في دمشق، يقدّم أفلاماً وحوارات ولقاءات مع مخرجين أجانب وعرب، وسقف حرية لم يهبط بعد. هذه المرحلة قذفتني إلى باريس لأدرس السينما في جامعة « باريس الثامنة».

كان الشعر قد تسرّب إلى أنسجتي وأوردتي.. وفي عام 1994 أصدرتُ أول ديوان لي « ليس للروح ذاكرة» عن (وزارة الثقافة في دمشق )، التي كان يرأس دائرة التأليف والترجمة فيها، الأستاذ المفكر الراحل ( أنطون المقدسي ).

لقائي به كان نقلة نوعية في حياتي.لقد تعرفت معه على المثقف المفكر الذي لا ينتبه إلى الصراعات الصغيرة.. بل إلى فلسفة بناء الإنسان والعدالة والتطور والمواطنية والفكر.. كان أنطون المقدسي ثورة جميلة هادئة في فكري..

حرفتني عن النضال المباشر وفكرة التحدي السياسي إلى مناطق أجمل تليق بالإبداع أكثر، ربما لا تقلّ جرأة عن سواها، وهي التأمل والتفكير العميق والبحث عن الحقيقة وعن موقع الإنسان بين الآخرين وصياغة الرأي بعمق ونزاهة خدمة للحقيقة.

كتب لي على غلاف ديواني كلاماً أسعدني وأعطاني الثقة بنفسي كشاعرة. هو الذي لا يكتب عادة. لذا وضع الأحرف الأولى من اسمه : أ/ م. هذه الـ : ( أ.م ) من أغلى ما حصلت عليه.

وللمصادفة كان آخر مقال كتبه قبل وفاته ونشره في جريدة الحياة عن شعري، بعد صدور ديواني « هذا الخوف «، عن المؤسسة العربية للدراسات في بيروت وعمان عام 2004. وقد بروزت المقال بعد رحيله وعلقته في بيتي. وديواني الأخير « كأنني أدقُّ بابي « الذي صدر عام 2008، عن دار الريس للنشر في بيروت، أهديته له.. ولأبي.

مراحل وصداقات

ماذا عن مراحل اختمار وانصقال إبداعك لاحقا، وكيف وفقت بين أعمالك ونتاجك الفكري؟

لا بد ان اشير بداية إلى شعاري، فأنا أؤمن دوما أن إبداع الآخرين في مجالاتهم وحقل قوتهم يُغني تجربتنا وَيُعطينا الطاقة على البحث بحرية عن إبداعنا، وهكذا وازنت بين مساقات ورؤى ومجالات حياتي.

ولكي أحيا في باريس كان عليّ أن أعمل.. فكتبت في جريدة الحياة في الصفحة الثقافية. وبعدها صدر ديواني الثاني «على ذلك البياض الخافت «عن المؤسسة العربية للدراسات في عمان عام ,1998.

وكتب على غلافه الأخير صديق آخر، هو الناقد والباحث السوري «صبحي حديدي». وحتى الآن «أعود أحياناً إلى ما كتبه «صبحي حديدي» أسرق بصمات من عالمه النقدي، أو أتعرف على شعري من خلاله. وقد.. أقوى على نفسي في لحظات هبوطها الشعري المفاجئ !!

ولاحقا تخرجت من جامعة باريس الثامنة (دبلوم في الدراسات السينمائية)- اختصاص إخراج. وعملت مع مخرجين سوريين في أفلامهم كمخرجة مساعدة وكمصممة أزياء وكسكريبت.

ماذا عن أفضل وأبلغ مراحل وفترات تجاربك الحياتية؟

كان الانتماء إلى اليسار يعني اتساع أفق المعرفة. لم يكن تحزباً أو انحيازاً بالنسبة إليّ، كان أفقاً إنسانياً جدلياً يلذّ البحث عنه. التقيتُ بسعد الله ونوس في تلك الفترة نفسها،.. وصرنا أصدقاء.

طريقته في التأمل والتفكير والابتعاد عن المكان من داخله من أجل الاقتراب من صميمه أكثر، أثرت بي. ومن ثم فإن شعري وكتاباتي الصحافية وطريقة تفكيري وعيشي وصداقاتي وتركيبة بيتنا وتكويني الذاتي، إضافة إلى إخوتي وأخواتي الذين حمل كل منهم خبرته وصداقاته إلى البيت في الماضي، ولا يزالون كلّ في مجاله: أطباء ومهندسين، وكيف اقترنت الطاقة على التعلم لديهم بطاقة إنسانية رفيعة.

وغنى تجربة والدي المربي « محمود سعيد محمد « الذي خدم كمدير مدرسة ابتدائية لمدة أربعين سنة في مدينة اللاذقية، والذي شكل مع والدتي زوجاً مثاليا في الحياة المشتركة والكفاح لتربية الأسرة، ودفعا كل منا باتجاه العالم الذي يهوى ! كلّ هذا جعلني أقرب إلى الواقعية السحرية. فوصلت إلى الفيلم التسجيلي.

أبعاد وعاطفة

أنت محاطة بأسماء مشهود لها في عالم الإخراج، مثل أخيك أسامة محمد وزوجك هيثم حقي، فما هو أثر ذلك على تجربتك مع الفيلم التسجيلي؟

كلنا نتأثر ببعضنا البعض. أداء الآخرين الجمالي هدايا لنا. أنا أتأثر منهجياً.. هيثم أسس مشروعاً فنياً ثقافياً وجمالياً في الدراما التلفزيونية.. ومن ثمّ السينما.

ثمّ إن بنيته الإنسانية شديدة الخصوصية.. ذلك البعد العميق والبساطة والعاطفة والموسوعية المعرفية والدأب على العمل.. الممزوجة بحساسية جمالية عميقة ورقيقة، لا تعرف المساومة في ذات الوقت.. ثم تجدده في أعماله.. أثرّ بي.. وصار ملجأً لي.. ملجأ إنساني رحب صادق ومنفتح على الإستقلالية.

وأسامة بموهبته السينمائية التي تعطي زخماً على الحرية والمغامرة.. وشخصه النبيل كإنسان، هي نماذج عاشت بقربي.. وصارت جزءا من أغلى ما عشت.

لا بدّ أنني تأثرتُ بابني أيضاً ورد وقد درس التمثيل في معهد تخصصي في باريس، وهو يدرس الإخراج السينمائي حالياً. ورد ابن تتمناه امرأة أُمّ مثلي. بل هو كلّ ما تمنيته من الدنيا كامرأة أمّ. صرت أصبو لأن أليق به وأن يفتخر بي.

تأثرت بـ ميسون أسعد. حساسيتها تحرضني على تطوير حساسيتي! هي «ممثلة» خريجة المعهد العالي للفنون المسرحية بدمشق. وإنسانة خلابة، طاقة الحرّية والاستقلالية والتأمل والعمق والعدالة والسخرية لديها، تمدّني بالقوة وتجمّل هشاشتي.

تأثرت بـ جميلة محمد، ابنة أخي المهندس سعيد محمد. التي حملت اسم أمي. وهي خلاصة ظرف وذكاء وجمال وغموض يزيدني تعلقاً بعوالمها الداخلية، التي تنهل منها ضحكتها الرائعة وأحلامها.

الفيلم التسجيلي ليس وليد لحظة صناعة الفيلم وإخراجه.. هو وليد روح وفكر وموقف إنساني ووعي.. فيروز والرحابنة كان لهم أثر في بنائي الوجداني، والروايات العالمية المترجمة التي كان أبي يملأ البيت به. ذهبت بخيالي بعيداً منذ الصِّغر. تأثرت بشعراء كثر بعضهم أصدقائي الشخصيين.

مساءلة

تناولت موضوعات تتعلق بأدب السجون وأدب المقاومة وتاريخ الثورات السورية في العصر الحديث، فكيف تختارين موضوعات أفلامك، وكيف تعملين على بلورتها وإنضاجها، وما هي الصعوبات التي تواجهك أثناء العمل على هكذا ملفات ساخنة؟

أنا أعمل مع شركة « هوت سبوت فيلمز» في دبي، بإدارة أسعد طه. وهم في الحقيقة من اختار موضوعة أفلام «أدب السجون «، ومن أختار موضوعة أفلام «أدب المقاومة».

اختاروا الفكرة وأنا اخترت أفلامي وشخصياتها وأخرجتها باستقلالية تامة. لم أقبع تحت سقف الرقابة الكلاسيكي المتعارف عليه. اعتبرت البحث حقاً من حقوقي، ليس سياسة بل ثقافة وقضية إنسانية. لم أعترف بقيود في طريق البحث، اعتبرته خدمة لي كمواطنة سورية تحترم مواطنيتها الرحبة بكافة حقوقها.

أنا بطبيعتي لا أحبّ المباشرة.هناك مناطق تمسّ روح التفكير في الحساسيات المشتركة بين البشر أفضل الذهاب إليها: الخوف.. الحرمان.. المقاومة النفسية والإبداعية والجسدية بما فيها الحرمان الجنسي والكبت.

حين يقبع السجين وهو بعمر 19 عاماً، أكثر من ستة عشر عاما في السجن ! قضايا كانت بالنسبة إليّ أهمّ من الذهاب إلى النقاط المتفق عليها، من القيود على الحرية وعدم ممارسة الديمقراطية.. والقمع.. وووو...!!.

بالتأكيد سيكون كلّ هذا متضمناً، لكن بطريقة تحرّض على الحوار، تحرّض على الذهاب إلى المستقبل، تحرّض على البحث وليس على الانتقام. دون أن تلغي الحقيقة، بالعكس هي تعطي للحقيقة أبعادها الإنسانية وليس فقط الكليشهية السياسية.

إن الصعوبات تأتي من جوهر الحرية والقناعة لحظة العمل. يبدأ الخوف يتسرّب إلى روحك من مكان سحيق ويلوّح لك. الخوف من المحاسبة والرقابة. وقد كتبتُ عن هذا الخوف قصيدة : « لا أحتملُ هذه النافذة / المفتوحةَ على الغُربة / إنها كالجدارْ.. / لا أرى منها شيئاً /.

أنا تعرضت إلى المساءلة، قال الطرف الآخر وجهة نظره في أفلامي، وأنا أنجزت أفلامي وكانت هي وجهة نظري. مازلت أعمل في بلدي وبالطريقة التي أشاء. نحن نعرف بعضنا البعض..

وكلانا يحبّ الحقيقة على طريقته، وربما لكلّ منا حقيقة تختلف في الكثير من تفاصيلها عن حقيقة الآخر. لكن أنا لم أُمنع من العمل وأفلامي أحصل لها على موافقات رسمية حسب الأصول. صحيح أنه ليس بوسعي المشاركة بمعظمها لأنها قطعاً ممنوعة، وخصوصا أفلام « أدب السجون، « لكنني أعمل دون توقف.

وأشعر أن العمل العلني الواضح، الطريق الشفافة لممارسة الديمقراطية ولاحترام الاختلاف عملياً وليس نظرياً. هذا قانون ينطبق على الجميع.لقد تعرّضتُ للمساءلة حول فيلمي الأخير « هنا حيّ القيمرية «، لكن استمراريتي في العمل في بلدي بحرية وعلنية ودفاعي عن مواقفي ببساطة وعن ضرورة إلغاء الرقابات كونها قيد على الفكر والإبداع، دون أن ألحظ أن أحداً يحاول أن يسلبني، هذا الحقّ لهو بالنسبة إلي أمر دالّ !!

الهايكو

في أفلامك محاولة للإمساك بالشخصية وهي في أفضل حالاتها، فكيف تعملين مع شخوصك، وكيف تهيئين الممثلين للوقوف أمام العدسة؟

أنا أحبّ من أعمل معهم، هم شركائي. أحقق العدالة للفكرة، أبحث حتى أصل إلى توازن المتضادات داخل الفرد أو بين الأطراف المختلفة.

هنا أستطيع القول إن منهجية البحث هي ما يعنيني وليس السؤال المباشر والجواب المباشر. الصدق.. والذهاب بحرية وراء الحقائق، أمر شديد الغواية.. مغامرة. الفيلم جهد جماعي يحمل بصمة مخرجه.

تهتمين بلغة الرمز والإيحاء أثناء تشكيل اللقطات والجانب السمعي في الفيلم، بحيث ينتج فضاء إشاريا موازيا يعمّق من فكرة الفيلم، فهل هي الرغبة في الاختزال والتخفيف من حدة المباشرة؟

كُتب عن قصيدتي القصيرة أنها «هايكو « منذ حوالى 12 عاما. لم أكن أعرف الهايكو الياباني.. بحثت عنه وقرأت شعر الهايكو لأعرف وجه الشبه. شعرت بروعة اللقاء مع روحك الأخرى التي لا تعرفينها! التكثيف والومضة هما روحانا أغلبَ الأحيان.

حين أقول في قصيدة جديدة : « من طباعِ الضوءِ / الفراشة. « تنتهي القصيدة. ولا يمكنني أن أضيف عليها نأمة. أعتقد أن هذه القصيدة في داخلي هي بذرة تأملاتي وقراءاتي عن الهشاشة والحبّ والقوة التي تنبع من اللاشيء.

غواية الغموض

تشتغلين على إبراز البعد الدرامي للوثيقة، فكيف تنظرين إلى الموضوع، وكيف تهيئين لقطاتك لإنتاج هذا البعد؟

هذا لتنقية الفكرة وضبط إيقاعها، والوقوف على هاوية الشفافية والوضوح، لكن دون شرح ودون التنازل عن غواية الغموض. البشر لديهم جميعهم في مكان ما، لمعة إبداعية، حين تثقين بهم بصدق ومسؤولية، ترين حساسيتهم التي يقدمونها لك عن وعي وحبّ.

بالرغم من الموضوع الساخن والقاسي، ثمة لمسة شعرية خالصة تقود أسلوب المعالجة والمناخ العام للفيلم لديك، فما هو سر هذه المفارقة، هل هي الذات الشاعرة أصلا، أم ماذا؟

أنا لا أحتمل القساوة، أبحث لها عن تفسيرات كي أستطيع مواجهتها. الشعر والمناخ العام للفيلم هما روح إيقاعي الشخصي الرقيق والمتأمل. لست من اخترع الجسارة أو اللطف. البشرية طيلة حياتها احتاجت إلى الذكاء لتقاوم، والشعر جوهره ذكاء داخلي عميق يمسُّ روح الأشياء دون أذيتّها. المفارقة هي الصراخ بالنسبة إلي.. نحن بشر..

حين نسمع ضجيج صراخنا في رؤوسنا نندم على حماقاتنا. الحروب والظلم والعنصرية علمونا أن الصراخ بهدف إقناع الآخر وإسكاته، هو عنف ولو كان دفاعا عن الحقّ، حتى الضوء ذو ضجيج أحيانا. ومن القصائد التي كتبتها وتبكيني. لا تزال في لحظات هشاشتي : « هذا الصباح / دون رحمة انهالَ الضوءْ / بأمّ عيني / رأيتُ وحدتي /.

هالا محمد في سطور:

هالا محمد، مخرجة وشاعرة. من مواليد سوريا-اللاذقية، درست الإخراج السينمائي في جامعة باريس الثامنة (فانسين)، وعملت في الصحافة العربية. صدر لها خمسة دواوين شعرية، وهي: «ليس للروح ذاكرة»- 1994، «على ذلك البياض الخافت»- 1998، «قليلٌ منَ الحياة»- 2001، «هذا الخوف»- 2004، «كأنني أدقُّ بابي»- 2008.

كما شاركت في مهرجانات شعرية دولية وعربية، وتُرجمت قصائدها إلى عدة لغات أجنبية.

أخرجت هالا العديد من الأفلام الوثائقية، من إنتاج شركة «هوت سبوت فيلمز» في دبي، ومنها: سلسلة أفلام «أدب السجون»، «قطعة الحلوى»، «رحلة إلى الذاكرة»، «إذا تعب قاسيون». وأيضا سلسة أفلام «أدب المقاومة»، مثل: «كم لنا»، «مديح الكراهية «. وكذلك فيلم «هنا حيّ القيمرية»، وشاركت أفلامها في مهرجانات دولية.

تهامة الجندي