صيادو كنوز، مستكشفون وباحثون عن أصحاب المواهب والعباقرة، إنهم جواسيس عالم الأدب، الذين يشكلون لغزا غامضا بالنسبة للذين لا ينتمون إلى هذا العالم، وعلى الرغم من أنهم لا يلفتون الأنظار كثيرا، إلا أن هذه الشخصيات هي التي تتمتع بالمقدرة على صناعة الكتاب، لأن أصحابها يملكون شيئا من الصعوبة بمكان الحصول عليه، ألا وهو المعلومة الصحيحة.
كما في جوانب كثيرة أخرى من الحياة، في عالم النشر هناك عنصرا، يحدد في غالب الأحيان الفارق ويفصل ما بين النجاح والفشل، عنصر يتمثل بالمعلومات، حيث أنشأت دور النشر الرئيسية عبر العالم أجهزتها الاستخبارية الخاصة بها كي تضمن بقائها على قيد الحياة في قطاع تتسارع فيه الأمور، بفعل التقنيات الحديثة وبفضل المستكشفين. يسمونهم جواسيس عالم النشر، وعلى الرغم من أنهم ينشطون طوال أكثر من عشرين عاما في بلدان متفرقة من العالم، إلا أن أهمية الدور الذي يلعبونه تتصاعد يوما بعد يوم، لا بل أن الناشرين يجمعون على أنه من الصعوبة بمكان على قطاع النشر الاستمرار في الوجود من دونهم، أما المهمة الرئيسية، التي يضطلعون بها، فهي تقوم على الحصول على المعلومات المطلوبة عن هذا الكتاب أو ذاك قبل أي شخص آخر.
في بلد مثل الأرجنتين، بصفتها ضيف شرف معرض فرانكفورت الدولي للكتاب 2010، فإن حركة التجسس الأدبي توجه سهامها إلى ذلك البلد اللاتيني في هذه الأوقات بحثاً عن عناوين مخطوطات قابلة للتصدير.
فهؤلاء المستكشفون يشكلون عيون الناشرين الذين يتعاقدون معهم. في مناطق العمل المحددة تبعا لكل بلد،مناطق يطلقون عليها« أرض الدولة»، حيث تجدهم يتحدثون مع الناشرين والعملاء ويحاولون اكتشاف ما هو الجديد.
مرة كل أسبوع، يرسل المستكشفون الأدبيون تقاريرهم إلى دور النشر التي تتعاقد معهم، وعادة ما تحتوي تلك التقارير على معطيات حول ما يمكن أن يكون محل اهتمام أصحاب العمل. في الأرجنتين، ثمة بعض الجواسيس، الذين يقومون بتمشيط عناوين الكتب لصالح الخارج، لكن بصمت حديدي يلفه الكتمان والسرية حيال كل ما يتعلق بأعمالهم.
كريستينا دي ستيفانو تعمل في فرنسا لصالح إيطاليا، البرازيل، ألمانيا، الولايات المتحدة وإسبانيا. وهي حين تعرف الجاسوس الأدبي الجيد، فإنها لا تتردد في القول إنه« يتعين عليه أن يكون سريعاً في القراءة، فهو لا يقرأ في هذه الحالة من أجل المتعة، بل يقرأ من أجل إسداء النصح للآخرين.
ويتعين عليه أن يكون محترفاً ساعة تقييم كتاب ما، فلن تقول للزبون أن الكتاب يعجبك، وإنما لماذا يمكن أن يعجبك. ولا بد من أن تكون مستهتراً وغير مبالياً مع الناس بعض الشيء أيضا.بين الحين والآخر اقترح ترجمة كتاب ما لا يروق لي، لكن أعلم أن ذوقي لا يمثل كل الجمهور، كما يجب أن يكون المرء قادرا على المنافسة على نحو جيد جدا».
إيدا روسييلو إيطالية الأصل ومنطقتها الجغرافية تغطي إيطاليا، إسبانيا وجنوب أفريقيا. وبالنسبة لها،فإنه يتعين على الجاسوس الأدبي أن يتمتع« بالحس اللغوي والتأويلي، وبالأمان عندما يبتدع نصاً أو يعتبره قيماً. فأي خطأ حاسم وقد يجعلك تفقد المصداقية. ومن أجل تحقيق ذلك كله، فإن الحس التجاري هو الذي يساعد على انجاز المهمة على أكمل وجه».
الجاسوس الأدبي لا يحق له أن يكون لديه سوى زبون واحد لكل بلد، فالمعلومات التي يتحكم بها ويديرها عادة ما تكون طازجة وحيوية، بحيث يكون الناشر على ثقة بأنه سيحصل على معلومة حصرية. ذلك الحرص الأولي يولد المنافسة.
فمن يقدم على اللعبة الأولى، يمتلك الخطاف الذي يضمن شراء الحقوق. وتعد العلاقات الطيبة مع الناشرين، بالنسبة للذين يخبرونهم فيم يعلمون والعين المفتوحة والمتيقظة أمام مادة جيدة من أهم الأمور التي لا غنى عنها في هذا الميدان.
«أعرف جميع الجواسيس الأدبيين الذين يعملون في باريس وهم يروقون لي عموما، لكني لا أتحدث عن الكتب معهم. فقط أتبادل وجهات النظر مع الذين يعملون في أراض مختلفة عن أراضي»، كما تقول دي ستيفانو، التي تعرف عملها بأنه عمل« غاية في السرية، شبيه بعمل الجاسوس». ذلك أنه لا يتعين على المستكشف لفت انتباه منافسيه أو حتى زبائنه إلى وجود شيء يستحق عناء النشر وجدير به.
وتلك المنافسة، بالنسبة لروسييلو، تكمن في الكمية وليس في النوعية وهي تقول بهذا الصدد:« يقترب من قطاع النشر الكثير من الناس الذين يمكن أن يكونوا مصاصين.
وذلك، بلا شك، يولد الكثير من الخلط والتشويش. ثمة منافسة كبيرة فيما يتعلق بالأرقام، لكن فيما يتعلق بالإعداد،فإن الأمور مختلفة». فساعة القيام بالصيد اليومي، تكون أراضي الاستكشاف كثيرة عادة.
وأبعد من الزيارات التي يقوم بها المستكشفون للناشرين للحصول على المعلومات من المصدر الأول، فإن روسييلو ترى أن الأمر يتعلق في المقام الأول هنا« بالتنسيق». فالمعلومات المتعلقة بالنشر الأدبي متوفر على نطاق واسه، فهي منشورة في المجلات والملاحق الثقافية والجوائز الأدبية وكتيبات الوكالات والمسابقات والمنتديات ومدونات الكتاب، حيث يجب إعارة الكثير من الاهتمام لكتب قصص الكتاب الذين لم تنشر أعمالهم سابقا، والتركيز على مؤلف بعينه والبحث في محيطه.
مستكشف آخر هولندي يدعى ليكس سبانس، يتخذ من المكسيك قاعدة انطلاق لعمله الاستكشافي ويجول أهم المعارض ويتحدث مع الناشرين ويرسل معلومات الكتب الأميركية اللاتينية لزبائنه الاثنين وعشرين في جميع أنحاء العالم.
في معرض« غوادالاهار» للكتاب، كان يمثل سبانس، في عام 2007، الوكالة المكسيكية الوحيدة للاستكشاف وتعقب أسرار الكتب، ولقد أنشأ قاعدة أخرى له في أغسطس الماضي في بوينيس أيريس.
وهو يوضح الأمر على هذا النحو ويقول:« زبائني ينظرون باهتمام بالغ إلى ما يحدث هناك. ناشرون أميركيون لاتينيون كثيرون يرسلون معلومات حول كتب جديدة، لكنهم لا يعرفون الغث من السمين في السوق العالمية».
روسييلو ترقب بعين الاهتمام أيضا ما يحدث في الأرجنتين وبينما تحاول بيع« أليفيريو كويلو»في إيطاليا، تفتح بوابة لقصص جديدة ومثيرة. على الرغم من عدم معرفة الأسباب الحقيقية، إلا أن هناك ظاهرة تبدو غريبة بعض الشيء في مهنة استطلاع أخبار الكتب،وتكمن في أن غالبية العاملين فيها من الجنس اللطيف، حيث يتعايش المستقلون مع الوكالات. وهذه الأخيرة يديرها مستكشفون يتمتعون بخبرة رفيعة المستوى مع فرق من المتعاونين الذين يقومون بمهام القراءة وكتابة التقارير.
أمام تواريخ محددة وغير قابلة للتغيير، يصبح العمل في هذه المهنة باعثا على التوتر، حيث يقول من يعيشون ذلك التوتر عن كثب إن الذين يقاومون الضغط قليلون. صاحبات الوكالات، في المقابل يمتلكن غزارة في المعلومات التي تتحول إلى معلومات لا يمكن الرجوع عنها.
دي ستيفانو تدير نفسها بنفسها وتعترف بأن مهنتها متطلبة ومدعية وتقول:« أعمل طوال اليوم، أتناول طعام الغداء مع ناشرين، مع صحافيين،مع أناس من عالم النشر في باريس.
أتلقى أكثر من عشرة كتب يوميا ولا يروق لي كيف تأخذ بالتشكل جبال من الورق في مكتبي». يعتبر اكتشاف كتاب ما قبل أن تحقق مبيعاته ارقاما قياسية الهدف الرئيسي لكل مستكشف.
وتروي دي ستفانو عدة قصص ناجحة على هذا الصعيد، لكنها تشدد على« يوميات هيلين بير في الولايات المتحدة»، إذ تقول إنه «من غير المعتاد أن تجد ترجمة من الفرنسية إلى الانجليزية الأميركية».
يصعب على دور النشر الأرجنتينية المستقلة في يومنا هذا شراء الحقوق من الخارج، لكن حتى التسعينيات كان إعتياديا أن يكون لها مستكشفون خارج البلاد. تركيز قطاع النشر وتدني الأسعار وضعا حدا لذلك.
وفي يومنا هذا ايضا اصبحت المجموعات الاسبانية هي القادرة على أن تدفع لهم، لكن على ضوء أن الأرجنتين هي ضيف شرف معرض فرانكفورت للكتاب 2010، فإن هذا البلد الأميركي اللاتيني راح يشكل مركزا للانتباه في عالم النشر وإذا كانت عملية شراء حقوق الأجانب لا تزال صعبة، فإن الانتاج الوطني يتحول إلى أرض كثيرة الورق يجوبها المستكشفون.
باسل أبو حمدة

