حينما يتحدث كبار السن عن الخير في الماضي، قد لا يفهم من لم يعش تلك الأيام من الشباب، لعل الكثير من رفاهية اليوم لم تكن متوافرة، إلا أن الحياة كانت أبسط، وأجمل، والتقارب والتحابب والروابط الاجتماعية والأسرية كانت أكثر حميمية.

كان الإنسان يحرص للذهاب إلى بيت قريبه أو صديقه في رمضان أو الأعياد، بينما لا تصلنا الآن إلا كلمات على الهاتف، وبعضهم لا يكتب اسمه وعليك التعرف عليه من رقم هاتفه.

كانت بطاقات تهنئة العيد أنيقة وجميلة، يحملها لنا البريد من الغالي البعيد، فنرد عليه بأخرى في مثل أناقتها، فتصبح البطاقة وثيقة، لا كلمات عبر الأثير نضطر لمسحها من شاشة الهاتف.

كل شيء أصبح بالإلكترون بعد أن أصبح العصر يمثل قمة التواصل الإلكتروني السريع، أوامر المدراء لمرؤوسيهم بالنت، ما عاد المدير يتقابل مع موظفيه ويبني علاقته الإنسانية بهم، فالأوامر ومواعيد الاجتماعات والرسائل، وكل ما يتعلق بإدارته عبر جهاز الكمبيوتر، وشبكة النت، وقد تمادت الحياة فأصبح البعض يتسوق بالانترنت، أو يشتري منزلاً أو أثاثاً، ولي صديق يدعي أن شبكة النت تربط غرف منزله بغرفه الخادمة.

وحينما يحتاج إلى كأس من الماء يطلبه عبر الشبكة، ولا عجب، فلي صديق آخر فوجئ ذات يوم بطلب من ابنته أن يتعرف إلى خطيبها الذي تعرفت إليه عبر الشبكة العنكبوتية من دولة بعيدة ومن جنسية أخرى، وقد اضطر صاحبي للخضوع للأمر الواقع، وزوج ابنته عبر الانترنت.

آخر صيحة في توظيف تقنيات الاتصال الحديثة، أن أصبح التسول عبر الانترنت، بل فوجئت قبل أيام بسلسلة من الرسائل على هاتفي لطريقة مبتكرة في التسول وطلب المساعدة، والتسول ليس حالة جديدة فقد بدأ مع حاجة الإنسان، وهو أنواع ودرجات وله أساليبه في الارتزاق، بما في ذلك أولئك الشعراء المداحون الذين يقفون عند أبواب المجالس مع قصائدهم الرنانة، وقد دخل التسول في أمثالنا الشعبية كالمثل الشعبي الذي يقول: مكدي (يعني المتسول) وخنجره بحزامه.

يقال للمتسول الذي إذا لم تكرمه شتمك، ومثل آخر مكدي وعليجته (أي الكيس الذي يحمله) قديفة (أي مصنوع من قماش فاخر)، يقال للمتسول الأنيق الذي لا يدعي أنه متسول إنما باشا وغدرت به الدنيا، وفي الأمثال أيضاً مكدي ما يحب مكدي، والله يرحمك يا جدي.

فعلاً الله يرحم الأجداد، فالحياة كانت في زمانهم أكثر حميمية، والمجتمعات مترابطة، والجار أخ لجاره، مثلما الأخ سند لأخيه، مجتمعات أيام زمان أكثر تقارباً رغم وسائل الاتصال البطيئة والهشة إذا ما قيست بالتقنيات الحديثة.

اللهم نجنا من سيطرة الآلة وتعسفها.

abdulelah_q@hotmail.com