«أن تعرف شيئاً عن كلّ شيء، وأن تعرف كلّ شيء عن شيء» بهذا الملخص تم تعريف المثقف، منذ أزمنة بعيدة خرج المثقف من دائرة الإقصاء التي يتعرض لها غيره من أهل الاختصاص، مثلاً: هل الطبيب والمهندس والمعلم والقاضي ولا ينتمون إلى شريحة المثقفين مثلاً، وهل يصح تسميتهم بالمتعلمين الأكاديميين، وهل لأنهم لا يعرفون شيئاً عن نظريات النشوء الأممية أو لا يعرفون علاقة فان كوخ بأذنه المقطوعة، ولا يعرفون عن المسرح سوى عادل إمام ونفر آخر من المشاغبين، لا يمكن تصنيفه في خانة المثقفين؟!
الذين يمتلكون قاعدة معرفية واسعة في اختصاصهم هم (من وجهة نظر خاصة) مثقفون حتى لو لم يسمعوا بالفنان بيكاسو، أو الذين ينتجون معرفة مهنية ببعدها الاجتماعي والاقتصادي يصنعون ثقافة.
ولا بأس بمعرفة يسيرة عن المسرح طالما أن ذلك لا يغير شيئاً من حقيقة وجودهم وفاعليتهم في مجتمعاتهم، فما هي الحاجة إلى عمق الثقافة المعرفية إذا لم تكن في خدمة الحياة، وذلك ما يحيلنا نحو طبيعة الدور الذي يجب أن يلعبه المثقف ليكون فاعلاً ومفيداً لمحيطه بعيداً عن عالم التنظير والسخط من الواقع ونقد الآخر لأنه قليل المعرفة.
إنّ مفهوم المثقّف الشامل في عصرنا اختصرته التكنولوجيا التي مكنت جميع شرائح المجتمع من معرفة مدارس الرسم وفنون الأداء البصرية وبكبسة زر يمكن لمن يشاء أن يعرف لماذا رسم فان كوخ لوحتين لغرفة النوم..
علينا الاعتراف بنعمة التكنولوجيا على الإنسان فقد أصبحت مرجعاً معرفياً، في حين كان العقل المرجع المعرفيّ الأساسيّ للمثقف، وأصبح الجميع يطلقون المعلومات والنظريات ويحللون الظواهر ويكتبون الكتب اعتماداً على ما توفره لهم معلومات الكمبيوتر، وفي جوّ تتناثر فيه المعرفة في كلّ مكان ما الحاجة لإشغال المرء ذهنه؟
المثقّفون هم أبناء عصرهم لا يستطيعون العيش على تخومه النائية، والذين يفرزون أنفسهم بمنأى عنه لا ينتمون إلى عالم اليوم، وحسب التصنيف ذاته فإن الأطباء على سبيل المثال ينتمون إلى عصرهم كلياً وكذلك أبناء مهن أكاديمية عليا أكثر مما ينتمي إليه الشعراء، والفرق بين الاثنين علم من الأجنحة تطير بخيالها نحو الماضي مقابل عالم من الواقع الراهن لا يجيد التحليق دون نظرية أو برهان.
