هناك العديد من الكتب التي عرفت طريقها إلى رفوف المكتبات حول الأزمة المالية التي انفجرت منذ خريف 2008 انطلاقا من الولايات المتحدة الأميركية. وقد قدّم مؤلفوها رؤيتهم للأزمة وشرحوا أسبابها بل واقترح العديد منهم الحلول المطلوبة.
ومن بين الكتب الأكثر تميزا، حسب آراء العديد من النقاد، كتاب الباحث الأميركي توماس وودس الابن، الذي يحمل عنوان «الانهيار» ذلك على أساس أنه يقدّم فيه الأسباب الحقيقية التي أدّت إلى انهيار أسعار قطاع البناء في الولايات المتحدة وفي أسواق البورصات.الفكرة الأساسية التي يحاول المؤلف البرهنة عليها تتمثل في قوله أن «المذنب» الحقيقي في نشوب الأزمة يوجد بالأحرى في «واشنطن»، أي في السلطة السياسية الأميركية أكثر مما يوجد في «وول ستريت».كذلك لا يتردد المؤلف في توجيه نقده الشديد لما يسميه ب«الأساطير» التي رددتها وسائل الإعلام. كذلك شجب دور الحكومة الفدرالية الأميركية.
ويحدد القول إن تدخل السلطات العامة في الاقتصاد والإجراءات التي جرى اتخاذها تحت عنوان العمل من أجل ممارسة ما يسمّى بـ «التمييز الإيجابي»، أي إعطاء الأولوية لتحسين أوضاع الأقليات السوداء وغيرها، إنما هي أمور أدت إلى خلق ما عُرف بـ «الفقاعة» في قطاع تجارة البناء.
ويعيد توماس وودس الدورة التي شهدتها أميركا في الآونة الأخيرة، ويسميها دورة «التوسع-التقهقر»، وغيرها من الدورات التي شهدها القرن الأخير «العشرين» إلى إحدى المؤسسات الأميركية الحكومية الأكثر شهرة والأكثر «تكريسا» من قبل الإدارات الأميركية، ويقصد بذلك تلك المسؤولة عن «نظام الاحتياطي الفدرالي» ـ البنك المركزي الأميركي ـ التي سمحت للبيروقراطيين ولرجال السياسة الطموحين باستغلال قيمة العملة الأميركية، أي الدولار.
ومن المحاور الأساسية التي يتم التعرّض لها في هذا الكتاب هناك العودة إلى الحديث عن «الكساد الكبير» الذي عرفته الولايات المتحدة والعالم في السنة الأخيرة من عقد العشرينات والسنوات الأولى من سنوات الثلاثينات في القرن الماضي. وما يؤكده المؤلف يخالف جذريا الفكرة السائدة القائلة إن روزفلت وخطته «الإصلاحية» الشهيرة هي التي أنقذت الاقتصاد الأميركي. المؤلف يرى أن الحقيقة تخالف ذلك وأن روزفلت: «لم يكن منقذ الاقتصاد الأميركي كما تزعم مختلف وسائل الإعلام».
بل إنه يذهب إلى أبعد من ذلك والقول إن أشكال التدخل التي مارستها حكومة «هربرت هوفر» كانت هي المسؤولة الكبرى عن «زيادة استمرارية وعمق الكساد الكبير». ويقول عن «هوفر» إنه «ورغم ما كان قد لقّنه لكم أستاذكم في المدرسة الثانوية لم يكن رأسماليا مناصرا لحرية السوق».
إن المؤلف يعود للحديث عن بعض الشعارات التي سادت في السنوات التي سبقت مباشرة نشوب الأزمة، والتي تمثلها جيدا الجملة التالية: «إن شراء مسكن يمثّل الاستثمار الأفضل الذي يمكنكم القيام به.
المسكن لا يفقد من قيمته أبدا (...). والمضاربة في ميدان البناء هي وسيلة ممتازة لتحقيق ربح أكبر». لكن النتيجة كانت في الواقع «انخفاضا» في أسعار الأبنية بأميركا، وإلى حد مريع.
ولا يتردد المؤلف في القول إن هناك مسؤولية كبيرة تقع على عاتق الحكومة عندما قامت بـ «تشجيعها المصطنع للمضاربة». ذلك على أساس أن هذا التشجيع وجد ترجمته في «التخلّي عن المعايير التقليدية لمنح القروض».
ومسؤول آخر يتم تحديده في «قانون الضرائب» الذي ذهب باتجاه تشجيع الملكية بأي ثمن، وذلك على الصعيدين الفدرالي، كما على صعيد حكومات مختلف الولايات وما رافق ذلك من تنشيط «مصطنع».
هذه الأفكار كلها يشرحها المؤلف في الفصول السبعة التي يتألف منها الكتاب والتي تحمل العناوين التالية: «الفيل في بهو الدار» و«كيف أنشأت الحكومة الفقاعة العقارية»؟ و«الإنقاذ الكبير لوول ستريت» و»الأساطير الكبرى حول الكساد الكبير» و«العملية» وأخيرا «والآن».
ويحتوي الكتاب على مقدّمة كتبها عضو الكونغرس الأميركي «رون بول» يؤكد فيها أن أهمية هذا العمل هو أنه «يقدّم الأمور بشكل صحيح، ويبيّن حقيقة الأزمات وأسبابها وسبل حلّها».
ويختتمها بالقول: «لا تزال الأفكار تحتفظ بأهميتها، ومن النادر أن كانت التربية الاقتصادية السليمة هي ملحّة وضرورية بمقدار ما هي اليوم. وليس هناك أي كتاب حول الأزمة الحالية هو أفضل من هذا الكتاب ويسعدني أن أطالب بقراءته وترجمته».
الكتاب: التدهور
تأليف: توماس وودس الابن
الناشر: رينيري بوبليشينغ واشنطن 2009
الصفحات: 196 صفحة
القطع: المتوسط
Meltdown
Thomas E. Woods Jr
Regnery Publishing
Washington - 2009
196.p

