قبل عدة سنوات أصدر أستاذ الاقتصاد في جامعة شيكاغو ستيفن د. لوفيت والصحافي ستيفن ج. دوبنر كتابا أخذ مكانه بسرعة في قائمة الأكثر انتشارا بالولايات المتحدة الأميركية. كان عنوانه:
«فريكونوميكس». هذا العنوان تمكن ترجمته ب«الاقتصاد تحت الأشعة ما فوق البنفسجية» أو «الأشياء هي غير ما نعتقده». وهو يخص عامّة تفسير أحداث العالم وظواهره «الغريبة» على ضوء الاقتصاد.
بكل الحالات يبحث المؤلفان في «الظواهر الاقتصادية الغريبة» التي كانت سر نجاح كتابهما الأول وهما يعودان إليها في هذا الكتاب. الطريقة المتبّعة في التحليل تتمثل في إلقاء نظرة جديدة على مجموعة من الظواهر التي يصادفها البشر في حياتهم اليومية. وعبر هذه النظرة «الجديدة» يحاول المؤلفان «تغيير النظرة» كلها على العالم الحديث.
ويرى المؤلفان أن انتهاج «الطريقة الاقتصادية» في التفسير ليس مجرد مشرب جامعي ولا تطبيق رياضي دقيق ل«الاقتصاد». ولكنه «أداة ينبغي استخدامها من أجل وصف الآليات التي نتخذ فيها قراراتنا».
وعبر المزاوجة بين «الطريقة الاقتصادية» و«شيء من الفضول» يمكن الوصول إلى فهم «الوجه المخبوء للأشياء». والقاعدة الأساسية التي يقوم عليها منطق التحليل هي أن البشر لا يفعلون في مختلف أشكال سلوكهم سوى «ما يتم تحريضهم كي يفعلونه. ولكن بطريقة ليست مرئية وواضحة بالضرورة».
وتحت عنوان: «مناطق الظل في الاقتصاد» يبدأ المؤلفان بالقول: «الحياة زاخرة بالقرارات الصعبة. فما هي المهنة التي تناسبنا أكثر؟ وهل ينبغي أن نرسل إلى مأوى العجزة أمّنا المريضة؟ وماذا عن إنجاب طفل ثالث«؟ إنها قرارات صعبة كلها، ذلك أن رهاناتها «كبيرة» من جهة ولا يصادف المرء كل يوم رهان بمثل هذا الحجم، كما يشير المؤلفان ويضيفان أن هناك بالمقابل «قرارات تبدو سهلة» بالقياس إلى تلك الأسئلة الصعبة.
وفيما يخصّ «القرارات السهلة «يضع المؤلفان أمام القارئ فرضية بسيطة وهي أنه لا أحد يجهل مخاطر قيادة السيارة بعد تناول الكحول إذ «من المعروف أن سائقا مخمورا يمثل درجة من الخطر تفوق 13 مرة السائق الصاحي من حيث إمكانية التسبب بحادث (...).
وفي الولايات المتحدة هناك أكثر من 30 بالمائة من حوادث السير القاتلة سببها سائقون مخمورون وفي الجزء الأخير من الليل. وقد ترتفع هذه النسبة إلى 60 بالمائة في حالات الإفراط بتعاطي الكحول. وبالإجمال هناك كيلومتر واحد من أصل 140 كيلومترا كل سنة»، كما نقرأ.
ويشرح المؤلفان أن مثل هذا المخاطر، كما في مجمل الأخطار الناجمة عن أشكال السلوك السيئة الأخرى، يمكن الحد منها تماما إذا جرى اتخاذ إجراءات ردعية حاسمة، «لكن من المشكوك أن تكون مجتمعاتنا مستعدة لذلك»، حسب تعبيرهما. لكن المشكلة الأكبر هو في عودة من «فقد توازنه» إلى منزله سيرا على الأقدام. ذلك أن هناك الآلاف من هؤلاء يموتون سنويا في الولايات المتحدة.
وهنا يُطرح السؤال: هل من الأكثر خطورة في مثل تلك الحالة قيادة السيارة أو السير على الأقدام؟ النتيجة التي يخرج فيها المؤلفان تقول إن من يفقد توازنه بسبب الكحول تكون مخاطرته أكثر 8 مرات إذا سار على الأقدام مما إذا قاد سيارته. ويستدرك المؤلفان أن احتمال أن يؤدي السائر على الأقدام إلى جرح أو قتل أحدهم قليل جدا على عكس قائد السيارة.
لكن الحل في الحالتين هو أن لا يفقد المرء توازنه كي لا يكون خطرا على نفسه وعلى الآخرين.ذلك أنه في الحالتين هناك وجه «مخبوء » لحلول مطروحة.
ومن خلال ملاحظة أحد الأطباء الأميركيين لنقص غسل اليدين من قبل العاملين في المستشفى الذي يعمل فيه «رغم حيوية ذلك» والإجراءات التي لجأت إليها إدارته لمعالجة الوضع يستعرض المؤلفان على مدى فصل كامل مشكلة الرعاية الصحيّة في المستشفيات الأميركية والحلول المطروحة لمواجهتها.
ويشير المؤلفان أنه إذا كان للمرء أن يتمنى مكان ولادته في العالم فإن «الهند ليست البلاد المرجوّة». ويشرحان أنه رغم كل ما يقال ويردد عن أن هذه البلاد قد أصبحت إحدى القوى الاقتصادية الكبرى في العالم اليوم فإن هناك وجها «خفيا» لهذه الحقيقة. وهو أن الهند «لا تزال فقيرة جدا بالإجمال». وتتم في هذا السياق مناقشة العديد من الأفكار السائدة عن الهند.
وإذا كان العالم يتقدّم إجمالا ويدخل عصر الحداثة. لقد ازداد عدد سكانه وتضخّمت مدنه. لكن هذا أدى أيضا إلى بروز العديد من المشاكل التي ليس أقلّها تلك المتعلقة بالنقل وزيادة حوادث السير وارتفاع كلفة التأمين. وبعض المنتجات الزراعية أصبحت «تغذّي الآلات» بدلا من تغذية معدة البشر والتلوث والغازات السامة.
ومقابل هذا كله يتحدث المؤلفان عن «الحصان» وليس عن السيارة. ويشيران إلى أنه كان يوجد في بداية القرن العشرين أكثر من 200000 حصان في نيويورك وحدها. ويذكّران أن «نفس الحلول التي أنقذتنا في القرن العشرين يبدو أنها أصبحت مشاكل في القرن الحادي العشرين».
السيارة والآلاف التي تشتغل محركاتها بمصادر الطاقة مثل على ذلك. لذلك يناقش المؤلفان على مدى صفحات «حلّ الحصان». والعديد من «الحلول» المشابهة الأخرى تتم دراستها في هذا الكتاب عبر «مقاربتها اقتصاديا» وتتعلق بمشاكل «سخونة الأرض» حيث تتم مناقشة دور «القوى الاقتصادية» الكامنة وراء نقاشات هذه المشكلة. الحل الذي يناقشه المؤلفان هو «نشر مواد كبريتية في دوائر الجو العليا».
وفي كل الحالات تصب تحليلات هذا الكتاب كلها في القول أن العالم ليس تماما كما يظهر عليه.
الكتاب: العالم على ضوء الاقتصاد سوبر فريكونوميكس
تأليف: ستيفن د. لوفيت، ستيفن ج. دوبنر
الناشر: هاربر كولنز نيويورك 2009
القطع: المتوسط
Super freakonomics
Steven D. Levitt، Stephen J. Harper Collins
New York 2009
