نالت السينما الفرنسية شهرة عالمية كبيرة خاصة في عصرها الذهبي خلال سنوات الستينات والسبعينات المنصرمة. لكن الصحافي والناقد السينمائي «دومينيك بورد» يشير في كتابه الصادر قبل أسابيع تحت عنوان:
«قصة السينما الفرنسية». إنه يتحدث عن وجوه اختفت بعد أن كانت قد رسمت لنفسها مسارا خالدا في سنوات شبابها، وأمكنة تهدّمت أيضا. وأن يحب المرء السينما يعني العودة إلى ماضيه «العبور في مقبرة أحلامه وفي أوهام أيام خلت».تتوزع مواد هذا الكتاب بين 28 فصلا قصيرا يخص كل منها ممثلا أو حقبة أو ظاهرة في عالم السينما الفرنسية. وهي تبدأ بفصل يحمل عنوان «من ساشا غيتري إلى لوريل وهاردي» وتنتهي بفصل عنوانه: «شبيهات بريجيت باردو ورومي شنايدر» ومرورا بعناوين مثل «الان ديلون، المحبوب جدا والمكروه جدا» و»جيرار فيليب، ملاك أن شيطان»؟ و»لويس مال، العبقري الباحث دائما عن الكمال أكثر» و»الجميلات الإيطاليات»، الخ.
وبعد الحديث عن «ساشا غيتري» الذي ساد على خشبات المسرح وشاشات السينما بعد الحرب العالمية الثانية يكرّس المؤلف عدة صفحات للحديث عن «الصالات المظلمة».
كما كان يُطلق عادة على صالات السينما بفرنسا خلال سنوات الخمسينات والتي كانت «تمتلك أنوارها وأجواءها»، كما يقول. ومن خصوصيات سينما تلك الفترة أنها «كانت زاخرة بالرسوم وغيرها من وسائل الزينة» على عكس «صالات اليوم ذات المقاعد المتجاورة في صفوف ويغلب عليها اللون الرمادي أو غيره من الألوان الحيادية».
كما يتحدث عن «سينما الأحياء» التي كانت تعرض الأفلام بعد شهر أو شهرين من صالات الشوارع العريضة». تلك الصالات الصغيرة كانت تمتلك الصالة الأرضية وأيضا الشرفة ؟ البلكون- وأحيانا بعض «المقصورات». كذلك «كان الدخول إلى تلك الصالات يعني ولوج أجواء خاصة تجعل متعة مشاهدة الفيلم أكبر».
وفي مطلع سنوات الستينات برز نجمان سينمائيان كوميديان، أحدهما أميركي «جوزيف لوفيتش» الذي حمل اسما فنيا هو «جيري لويس» والثاني فرنسي هو «اندريه داريكو» المعروف باسم فني «ذي نكهة أميركية» هو «داري كوول».
ويشير بورد إلى أن نفس تلك الفترة، الستينات، عرفت في فرنسا ازدهار الأفلام التاريخية وأفلام المغامرات وفي مقدمة هذه فيلم «الفرسان الثلاثة» لمؤلفه الكسندر دوماس. وفيلمان آخران نالا شهرة كبيرة في تلك الفترة هما «كوفاديس» و»كليوباترة». ومن الأفلام الهوليودية الشهيرة آنذاك «لص بغداد».
ويشير المؤلف أن فيلم «الفرسان الثلاثة» عرف «20 نسخة مختلفة في العالم تميّز بعضها بكثير من الغرابة». ويكرس المؤلف أحد «فصول» هذا الكتاب للثنائي الكوميدي الفرنسي الذي عرفته سنوات الستينات أيضا أي «لويس دو فونيس» و«بورفيل». ويعتبر المؤلف أنهما يمثلان ما سُمي بـ «السينما التجارية» في مواجهة «سينما المؤلف».
وكان «دو فونيس» قد قام بأدوار ثانوية صغيرة بحوالي مائة فيلم «قبل أن يكسب بعرقه وبحركاته وبنوبات العصبية التي مثّلها مكانة النجومية التي استحقها بجدارة».
و«بورفيل» استطاع أن يصنع شهرته من خلال أدوار «الفلاح البسيط، الغبي قليلا» التي لعبها. هذان المزاجان «المتناقضان»، أحدهما «ناري» والآخر «جليدي» اجتمعا للمرّة الأولى في فيلم «كذبة ابريل- نيسان»، ثم أصبح اسمهما معا يجذب أعدادا كبيرة من المشاهدين.
وكانت سنوات الستينات قد شهدت ازدهار «السينما الشعبية» مع «فرنانديل» والنجمين السينمائيين اللذين تركا بصماتهما على تاريخ السينما الفرنسية» جون غابان وجون بول بلموندو». ويذكر المؤلف هنا أعمال المخرج «هنري فيرنوي»، الذي «جلده النقّاد بكثير من الظلم» على أساس أنه كان من روّاد «السينما الشعبية» بينما كانت «موضة» النقد تميل آنذاك لصالح «سينما الموجة الجديدة».
ومن وجوه هذه الموجة الكبار يقدّم المؤلف «آلان دولون»، الذي بلغ أوج شهرته في سنوات الثمانينات. «لقد كان جذّابا وجميلا ومليئا بالحيوية بحيث أنه بدا أن لا شيء يستطيع مقاومته» في عالم السينما. وكان قد أرسى أسس شهرته كـ «ملك السينما « منذ سنوات السبعينات خاصة مع فيلم «الساموراي». ويتعرض المؤلف في هذا السياق عن مختلف أفلامه ليصل إلى القول أن دولون وهو في الخامسة والسبعين من العمر تقريبا، لا يزال «يشير الكثير من الحديث عنه».
ويعتبر دومينيك بورد أن إحدى نقاط العلاّم في السينما الفرنسية تتمثل في الدور الذي لعبه «جون غابان» في فيلم «البؤساء» عندما لعب دور اللص «جون فالجان». ورغم أنه «توفي عام 1976، فجأة، مثلما مغادرة خشية المسرح للسير وحيداً في «أروقة الكواليس، فإن حضوره لا يزال كاملا».
وفي الصفحات الأخيرة يعود المؤلف للحديث عن ممثلتين كبيرتين في تاريخ السينما الفرنسية هما «بريجيت باردو» و«رومي شنايدر». ومن هذا كله «لم يبق سوى الذكريات ورائحة زمن آخر وألوانه». كما تقول الجملة الأولى من هذا الكتاب.
الكتاب: قصة السينما الفرنسية
تأليف: دومينيك بورد
الناشر: روشيه باريس 2010
الصفحات: 333 صفحة
القطع: المتوسط
Le roman du cinéma français
Dominique Borde
Rocher - Pais 2010
333p.

