يكثر الحديث في الغرب عن مسألة «الازدهار الشخصي» وعن سبل تحقيقه. وأول ما يتبادر إلى الذهن تلك التعليمات المتأتية من الفلسفات الداعية لـ «السعادة» مثل البوذية والطاوية وممارسة «اليوغا» وغيرها من الطرق الصينية والهندية المؤدية إلى السلام الداخلي والفاعلية على صعيد الحياة.
لكن «ميشال لاكروا»، الأستاذ الجامعي الفرنسي، يجد سبيلا آخر إلى «تحقيق الذات»، كما جاء في عنوان كتابه الأخير، وحيث اختار كعنوان فرعي له «فلسفة صغيرة للازدهار الشخصي».«تحقيق الذات هذا برنامج طموح»، يؤكد المؤلف في الجملة الأولى من كتابه. وليس المقصود بذلك «تنفيذ برنامج» أو «تحقيق أمنية أو حلم». وليس تحديد طرق «تحقيق الذات» على غرار هذا الدليل أو ذاك، مما تحفل به المكتبات، لبلوغ السعادة و«كيفية تسيير المرء لأمور حياته».الغاية الوحيدة التي يبحث عنها هذا الكتاب هي المساهمة في «فهم» الذات و«تقديم مفهوم واضح عن تحقيق الذات»، كما يشرح المؤلف بأشكال مختلفة. لكنه يؤكّد أن مثل هذا الطموح يمتلك قدرا كبيرا من «المجازفة» .
وهو يختتم مقدمته بالقول: «في هذا العالم ؟ عالم الذات ـ الذي يتسم بقدر قليل من العقلانية، غامرت بما أملكه من عقلانية-ديكارتية».
ويشير المؤلف في تحليلاته أن البشر تعوّدوا نسيان أن الثروات الثقافية التي يمتلكونها يمكنها أن تدفعهم إلى الأمام في طريق «تحقيق الذات». وهي طريق يمكن أن تؤدي إلى «الفعل» أو إلى «التأمّل»، أو قد تقود أحيانا إلى بعض «السبل المسدودة» والوقوع في أوهام «العظمة الشخصية».
وبكل الحالات يتم التأكيد فيما يتعلق بتحقيق الذات أنه بالمعنى الأشمل والأعم استثمار أفضل للقدرات الكامنة لدى المعني فيه. انطلاقا من هنا يمكن أن يقول كل فرد: «لدي في أعماقي ثروة وليس علي سوى أن أستثمرها واستخدام إمكانياتي بصورة أفضل».
لكن لاكروا يؤكد أن الأمور في الواقع هي أكثر تعقيدا من هذا بكثير. وأن هناك قدرا كبيرا من الصعوبات. الأولى من هذه الصعوبات يتم تحديدها بالقول: «هذا الكنز الداخلي الذي أريد استثماره لست متأكدا من وجوده. وهذه الإمكانيات قد لا تكون أكثر من أوهام». بهذا المعنى يرى المؤلف أن جميع الذين يريدون «تحقيق ذاتهم»، ومهما كان السبيل الذي تبنّوه لذلك، يواجهون مشكلة «الشك» بالإمكانيات.
وبالتالي يغدو التفكير بصورة إيجابية الشرط الأول لأي مشروع لتحقيق الذات». والقاعدة التي يتم الوصول إليها في هذا السياق إلى القول أن تحقيق الذات يتطلّب قاعدة لا ينبغي أن تغيب عن الذهن وهي أن «الإقناع الذاتي» بوجود الإمكانيات خطوة أولى تتأسس عليها الخطوات اللاحقة.
وبكل الحالات لا بد من أجل تحقيق الذات الانتقال من القناعة والاقتناع بـ «الإمكانيات» الكامنة إلى الفعل. ويشرح المؤلف تحت عنوان: «الميل نحو الإفراط في الفعل» أن هناك «خطر» الجنوح إلى «الحركة المستمرة» ونسيان «الراحة». هذا في الوقت الذي يؤكّد المؤلف فيه أن المطلوب هو تحقيق «حالة التوازن» في فلسفة تحقيق الذات، وليس الذهاب أبعد في اتجاه أو في آخر.
إن المؤلف يركّز في بحثه عن تحقيق الذات على عدة أمور أساسية في مقدمتها معرفة أن المسألة تتعلق أولا وأساسا بالإمكانيات «الذاتية» التي ينبغي الإيمان بها والانطلاق منها. كذلك يتم التأكيد على أن المسألة تتعلق بإيجاد «صلة عميقة مع الحياة النشيطة» والانتقال من النيّة إلى الفعل.
والتأكيد أيضا على «خصوصية» كل حالة ،إذ ليس هناك وصفة تنطبق على جميع الحالات. وهنا يطرح المؤلف السؤال التالي: لكن هل يمكن تحقيق الذات بالاستقلال عن الآخرين؟
للإجابة على مثل هذا السؤال يقدم المؤلف نوعا من «الشهادة الشخصية». إنه يشير لمحاولته ذات يوم القيام بعملية «جرد» للأشخاص الذين لعبوا دورا إيجابيا في حياته كبالغ والذين يحس «بصورة ما» أنه مدين لهم.
والجملة التالية تلخص إجابته على هذه المسألة: «من العسير بالنسبة لي أن أتصوّر وصولي إلى ما وصلت إليه دون أن يكون بجانبي أولئك الذين عشت معهم».وبهذا المعنى تتسم فلسفته لـ «تحقيق الذات « بنزعة إنسانية واضحة.
ويؤكد المؤلف هنا على «فضيلة التحوّل عبر الحب»، كما جاء في عنوان أحد الفصول القصيرة. ويقصد الحب بكل أنواعه. المثال الذي يسوقه أخذه من رواية «البؤساء» لفكتور هوغو. ذلك أن اللص «جان فالجان» وجد مأوى في كنيسة بعد 20 سنة من السجن. لكن «غريزته» السابقة غلبته وسرق بعض المصابيح. لكن الشرطة اعتقلته واقتيد إلى التحقيق.
وعندما جرت المجابهة بينه وبين «الأب ميرييل» ،راعي الكنيسة ،قال له هذا الأخير: « يا صديقي، قبل ذهابك هذه هي مصابيحك. لا تنسها. وخذها معك».
هذه الالتفاتة من «الحب» حوّلت «فالجان» اللص، إلى رجل طيب. «الثقة بالآخرين» إذن وخلق علاقة سليمة بين «الأنا» و»النحن»، كما يقول عنوان فصل آخر.وما يؤكده ميشال لاكروا في الصفحات الأخيرة من الكتاب هو أن «الازدهار الشخصي قد يكون ضحية الثقافة المضادة».
ويحدد هذه الثقافة المضادة بكل ثقافة تنافي العقل. وهي الثقافة التي أظهرت دائما العداء، كما يقول، للمبدعين الكبار من هوميروس إلى شكسبير ومن راسين إلى غوته. كما ناصبت العداء كل أشكال «العقلانية التكنولوجية» والأمثلة التي يسوقها المؤلف من التراث الغربي كثيرة .
ويتساءل في خاتمة كتابه: «هل نسير نحو عالم أكثر إنسانية»؟ . الإجابة على هذا السؤال تحدد مصير الإنسان،كما يشرح.
الكتاب: تحقيق الذات، فلسفة صغيرة للازدهار الشخصي
تأليف: ميشال لاكروا
الناشر: روبير لافون باريس 2009
الصفحات: 177 صفحة
القطع : الصغير
Se réaliser
Michel Lacroix
Robert Laffont - Paris2009
177p.

