يتناول مؤلف الكتاب، نذير جعفر، طبيعة توصيف وتحليل ايكو لمفهوم التأويل hermeneutics, حيث فصله عن التفسير Interpretation. فقسم النص إلى نوعين:

نص مغلق، وهو الذي يقيد قارئه باتجاه واحد للتأويل ويقلل مشاركته فيه، ويبعث على الملل. ونص منفتح، وهو الذي ينفتح على إمكانيات التأويل المتعددة، فيحفّز مخيلة وقدرات القارئ النموذجي الموسوعية والتناصية، ويدعوه إلى المشاركة الفعالة في ملء فجوات وبياض النص، ما يحقق له لذة المشاركة والكشف. ويشير ايكو في هذا الصدد، إلى مستويين في النص: مستوى معجمي سطحي ظاهر يحيل على دلالته المباشرة، وآخر عميق «مسكوت عنه» ينبغي أن يفعّل عبر التعاضد التأويلي للقارئ النموذجي لاستنباط دلالاته. ويعرف «التأويل العميق» بأنه: حوار جدلي بين القارئ والنص، وتأرجح متواصل بين استراتيجية القارئ واستراتيجية النص.

وبخصوص رؤية فولفنانغ إيسر لمفهوم النص، يشرح جعفر، أنه فهمه كونه « لا يكون ذا معنى إلا حين يُقرأ»، مقتنعا بأن العلاقة تكون « بين النص وفعل القراءة وليس بين النص والقارئ»، «والمهم بالنسبة للقراء والنقاد والأدباء على السواء، هو ما يفعله الأدب، وليس ما يعنيه» وبذلك يقدم تأثير النص في القارئ على معناه.

وينتقل المؤلف إل عرض تأكيد روبرت يوس على أن النص الأدبي ذاته لا يوجد إلا بعد إعادة إنشائه أو تجسيده داخل عقل قارئه». وهو بذلك يعزز سلطة القارئ ويقلل من أهمية كل من المؤلف والنص.

ويرى جعفر أن إيسر أعاد النظر في كثير من آرائه المتعلقة بنظرية التلقي، واقترح حدودا للتأويل مستقاة من الحقول المعرفية المختلفة، وحدّد للقارئ أن يتحرك بالتأويل على الإيقاع الذي يتحرك فيه النص نفسه توليديا، أي ينظر إليه من زاوية إستراتيجية تضمن اللقاء بين مقصدية النص ومقصديته. وهذه الإستراتيجية لا تعني إلا التأويلات المشروعة للنص، حيث إنها نوع من الالتزام النصي الذي يوقف زحف التأويلات التضليلية المتعددة. فليس كل التأويلات مشروعة.

في سياق ما تقدم من بيان للخطوط العريضة في نظرية التلقي، يقدم المؤلف تصوره عن «تأويل الرواية»، مؤكدا على ثلاثة مرتكزات أساسية، وهي: أولا النظر إلى النص الروائي متناً وخطاباً على انه سرد فني منفتح متباين اللغات والأصوات والنبرات والنزعات والمواقع ووجهات النظر، إذ يحاكي بأبعاده وفضاءاته، التنوع الكلامي الاجتماعي ومرجعياته ومراميه، في سياق زمكاني متحقق أو محتمل.

وأما المرتكز الثاني فهو النظر إلى بنية النص الروائي السردية عبر مكوناتها الكلية من : عتبات نصية ومستويات وتنويعات وتهجينات لغوية وزمان ومكان وشخصيات وأحداث وحوار ووصف ووجهة نظر. وعبر تقنياتها الفنية وتناغمها الأوركسترالي في تشكيل وتوليد الدلالات.

ويحدد جعفر المرتكز الثالث بالنظر إلى العلاقة بين المؤلف والنص والقارئ وفعل القراءة من وجهة تفاعلية لا تغيّب طرفاً على حساب الآخر. ويتعارض هذا التصوّر مع الشكلانية الصرفة التي ترى في النص (اي نص كان) «ظاهرة لغوية سيمويولوجية» فحسب.

وطبق المؤلف في كتابه، منهجه النقدي على اثني عشرة رواية عربية، تم اختيارها لتشمل مواضيع وتجارب تاريخية وشخصية مختلفة، مثل: رواية «موسم الهجرة إلى الشمال» للطيب صالح، رواية عبد الكريم ناصيف «الخروج من عنق الزجاجة»، رواية فواز حداد «تياترو 1949»، رواية «المهزومون» لـ هاني الراهب.

التي تصور مراحل تاريخية مختلفة في سوريا مازالت آثارها مستمرة حتى الآن، رواية سحر خليفة «صورة وإيقونة وعهد قديم» التي تستعيد ماضي القدس وترسم حاضرها، رواية «رحلة السفرجل» لوليد إخلاصي التي تثير من جديد الأسئلة الوجودية الكبرى عن الحياة والموت والسعادة والحب والشقاء واليأس.وهذا بالإضافة إلى خمس روايات عالمية، أبرزها : «الأيام الأخيرة لرسول» ل تحسين يوجل، «الخروج من المتنفس» لجورج اورويل، «العاشق» لمارغريت دوراس.

وقد قدم جعفر في قراءته للروايات المختارة، نظرة نقدية أدبية محايدة، حيث لم يتوقف عند الفكرة والمعنى ومتعة القراءة والظروف الواقعية أو التخيلية للرواية، إنما درسها على كافة المستويات: الواقعي، الرمزي، اللغوي، تقنيات السرد الروائي. وكشف في هذا المنهج، النقاب عن القيم الفنية والجمالية التي تسعى الرواية إلى التعبير عنها.

الكتاب: الرواية والتأويل مرجعيات وحدود

تأليف: نذير جعفر

الناشر : دار نون4 للنشر والطباعة والتوزيع حلب 2010

الصفحات: 142 صفحة

مروان عبد الرزاق