هي تجربة نادرة، بالنسبة إلى شخص كانت كل اهتماماته في الحياة متابعة النهضة، التي شهدها الأدب العربي. عندما كنت في بداية حياتي العملية. تمثلت هذه التجربة في ظهور اسم صديق مقرب لي، وهو كذلك إحدى شخصيات تلك النهضة البارزة، ظهورها على الصفحة الأولى لصحيفة إنجليزية بارزة.
حدث، أخيرا، أنني كنت أقرا خبرا مملا جدا، عن انفجار جديد في بغداد. كنت على وشك أن أقلب الصفحة، عندما لمحت اسم جبرا إبراهيم جبرا، فواصلت القراءة. بدا أن البيت الذي كان يسكنه جبرا مع زوجته وعائلته في بغداد لسنوات عديدة، والذي كان يحوي كنوزاً كثيرة، قد تم تدميره بالكامل في الانفجار. الكنوز في بيت جبرا، عبارة عن كتب بالعربية والإنجليزية، ولوحات كثيرة مستنسخة عن أعمال فنانين معاصرين، من العرب والأوروبيين. جبرا نفسه كان رساما، ومطلعا بعمق على تلك الكنوز، التي كانت تضم أيضاً أعمالا لموسيقيين مفضلين لديه، مثل باخ وفيفالدي وبيتهوفن. لقد كان بيته منزلا لي في بغداد.
بدايات وذكريات
غير أن جبرا كان قد دخل حياتي قبل ذلك بكثير. فقد اشتركنا في الدراسة في «كمبريدج»، حيث كان يدرس للحصول على درجة علمية في اللغة الإنجليزية، وكان قد أتقن اللغة تماما مع حصوله على تلك الدرجة، بينما وجدت أنا أن اللغة العربية التي اخترت دراستها كانت أصعب بكثير من اللاتينية واليونانية، اللتين كنت أكرههما بشدة عندما كنت في المدرسة الثانوية.
وبينما كنت وجبرا لا نزال في لندن في بداية الحرب العالمية الثانية، كنا نقضي الأوقات معا، مع أصدقائنا. ثم جاء الوقت الذي عملت فيه ممثلا لشركة في الشرق الأوسط لأجد نفسي في بغداد.
سكنت في أرخص فندق وجدته، واتصلت على الفور بجبرا. ومن خلاله أصبحت صديقا لشخصيات أدبية، مثل الشاعر بلند الحيدري، الذي لم يكن يعرف آنذاك كلمة واحدة بالإنجليزية، رغم أنه انتقل للعيش في لندن لاحقا، وكان مسرورا بوجود شاب إنجليزي يستطيع أن يتحدث معه بالعربية.
عرفني جبرا بعد ذلك بصديقه يحي الثنيان، الذي كان يمتلك مطبعة في بغداد، كانت تطبع مجلة لشركة نفط، وتولى جبرا رئاسة تحريرها. اضطر يحي إلى الفرار من العراق خلال سنوات الحرب والاستقرار في تركيا.
وقد كان سابقا ضابطا في القوات الجوية العراقية وقام بدور قيادي في الثورة ضد الوجود الإنجليزي في العراق. أصبحت أنا وهو صديقين، حتى وقع لاحقا ضحية للنظام العراقي لسبب لم يعرفه، وأودع السجن، حيث تم تعذيبه بوحشية.
وآنذاك لعب جبرا دورا مهما في حياتي. ذات مرة جاء في زيارة للقاهرة عندما كنت ألقي محاضرة عن الترجمة. وطلب أن يشهد المحاضرة، ووافقت بالطبع. وفي نهاية المحاضرة قلت إن من الأفضل أن يقوم المترجم بالترجمة إلى لغته الأم، وليس العكس. جادلني أحد الحاضرين، وكان أستاذا في اللغة الإنجليزية، في ذلك. وقال: لماذا لا يقوم شخص يعرف لغتين بترجمة كل منهما إلى الأخرى؟
كنت على وشك القيام بالرد على الرجل ردا مقنعا، عندما أشار جبرا بأن لديه شيئا ليقوله في هذا الصدد. أوضح أنه حاصل على درجة علمية في الأدب الإنجليزي وأنه قام بترجمة نحو نصف دستة من مسرحيات شكسبير، وقصصا لكتاب آخرين مثل فوكنر، كما أنه كتب رواية باللغة الإنجليزية بعنوان «صيادون في شارع ضيق»، علاوة على مجلدين كاملين من الشعر الإنجليزي.
وبالإضافة إلى ذلك كله- أوضح جبرا- أنه كتب عددا من الروايات وقصصا قصيرة وشعرا باللغة العربية، وأضاف: « ولكن عندما يتعلق الأمر بترجمة شيء من العربية إلى الإنجليزية فإنني سأترك ذلك إلى صديقي دنيسس.
رفقة الشفاء والرزق
لعب جبرا دورا في إخراجي من حالة إحباط عميق مررت بها في لندن، في العام 1969. ذهبت إلى طبيبي، وهو الطبيب نفسه الذي عالج يحي ثنيان بعد تعرضه للتعذيب في سجون العراقية، والشاعر العراقي الكبير بدر شاكر السياب الذي كان يعاني من مرض لا علاج له.
أفضل شيء في هذا الطبيب أنه كان صريحا للغاية مع مرضاه. قال لي الطبيب إن أمامي ثلاثة خيارات، فإما أن أعالج بالصدمات الكهربية، التي استبعدها، وإما أن أذهب إلى طبيب نفسي، وهو ما شعر أيضاً انه تضييع وقت ومال، وإما أن أغير حياتي بالكامل.
كان السؤال آنذاك هو: كيف أغير حياتي وهي تدور حول مكتب الترجمة إلى العربية، الذي أسسته قبل سنوات؟ عندئذ، جاءتني رسالة من جبرا يقول فيها إنه قادم إلى لندن قريبا، وسيلقي محاضرة في جامعتها عن الأدب العربي الحديث، وإن بعضها ستتم ترجمته إلى الإنجليزية، وإنه يود أن أكون حاضرا تلك المحاضرة.
ورغم أني لم أكن في مزاج يسمح لي بحضور المحاضرة والاختلاط بالناس، فإنني بالطبع ذهبت، بل، وتحت إلحاح جبرا أيضاً، ألقيت كلمة في نهاية المحاضرة، عن ترجمة روايات الأدب العربي الحديث إلى الإنجليزية والصعوبات التي يواجهها الناشرون.
ولكن كما تقول الآية الكريمة:
«وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم»، كان حضوري لتلك المحاضرة سببا لأن ألتقي شخصا عرض علي العمل مديرا لمحطة إذاعة عربية، في إحدى الدول الخليجية. وهكذا مرة أخرى، أصبح بإمكاني إيجاد منعطف جديد في حياتي، والعثور على العلاج شبه المستحيل للإحباط، الذي وصفه طبيبي لي.
فنان مرهف
بعد ذلك، تلقيت رسالة قصيرة من جبرا تفيد أنه سيزور القاهرة لأيام قليلة. التقيت به في فندق، وأذكر أنني سألته عن الأحوال في بغداد، فلم يرد علي إلا بالنظر في أركان الغرفة الأربعة.
يبدو أنني نسيت في أي دولة بوليسية كان يعيش هو. انتظرنا حتى خرجنا من الفندق، ثم استأنفنا الحديث. أتذكر أنه قال لي إن على المرء أن يكون حذرا في بغداد بشأن ما يقول، وإلى من يتحدث. قال لي:
«على سبيل المثال، إن شخصا قال له إنه من المؤسف أنه من بين جميع اللوحات التي يمتلكها، لم تكن هناك صورة لصدام حسين». اخر شيء كان يمكن أن يفكر فيه جبرا وسط كل أعماله الفنية الرائعة لفنانين مثل ماتيس وغيره، هو أن يرسم لوحة لديكتاتور.
ولكن اقتراحا مثل هذا لم يكن ليقابل بالتجاهل، ولم تمض فترة طويلة حتى كانت لوحة كبيرة لصدام حسين تحتل مكان الصدارة في غرفة معيشة جبرا.
وقبيل مغادرته القاهرة عرفته بزوجتي باولا كروشياني تناولنا طعام العشاء معا، حيث عاد بعد ذلك إلى بغداد، لأسمع بخبر وفاته بأزمة قلبية.
ليس هناك أحد آخر لعب دورا مهما في حياتي لكل هذه السنوات، وسيعيش اسم جبرا إبراهيم جبرا، في الكتب التي تعيد للأذهان، كيف أنه وللأسف، انقلب الأدب العربي على ماضيه العريق، وبدأ بالسير في اتجاه مختلف.
بقلم: دنيس جونسون ديفز- ترجمة: عصام بيومي

