شهدت دبي، في إطار ازدهار حركة الفن التشكيلي فيها خلال السنوات الماضية، افتتاح عدد كبير من الغاليريهات، وبزمن قياسي، تجمعت الغاليريهات بجوار بعضها البعض، في عدد من مناطق دبي.

وكما يحتاج الفنان إلى بيئة فنية كي تتألق موهبته، فإن صالات العرض تحتاج إلى موقع استراتيجي بمختلف المقاييس، وفي دبي توزعت معظم الغاليريهات التي تجاوز عددها الأربعين، في مناطق محددة، مثل: البستكية ومركز دبي المالي العالمي ومنطقة القوز والجميرا.ضمت منطقة القوز بشكل خاص، عدداً كبيراً من أشهر وأبرز الغاليريهات في دبي، على الرغم من كونها منطقة صناعية يوجد فيها معامل ومخيمات عمال ومخازن. وتتمثل العوامل التي جذبت هذه الغاليريهات إليها، في توفر المخازن والمستودعات ذات المساحات الواسعة المطلوبة للمعارض، وأيضا المواقف الكثيرة لأعداد غير محدودة من السيارات، وكذلك انخفاض قيمة الإيجار مقارنة بوسط المدينة.

تاريخ وبدايات افتتحت الغاليري الأولى في منطقة القوز «توتال آرتس» في عام 1998، في مبنى الكورتيارد، تلتها غاليري «كورتيارد كافيه أند آرت» عام 2000، لتلحق بهما كل من غاليري «ميم» و«جام جار» و«الخط الثالث» و«إيزابيل فان آيدن» في عام 2005. وفي السنوات التالية انضم المزيد منها، وأحدثها «ذا شيلتر» و«آرت سوا» و«موجو» عام 2009.

وحول هذه البدايات، والمراحل التأسيسية، قال داريوش زاندي،المصور الفوتوغرافي والمعماري وصاحب غاليري «توتال آرتس» الذي أنشأ مبنى «الكورتيارد» الأشبه بواحة في القوز: «كان حلمي أن أنشئ واحة للفن في محيط صناعي وصحراوي، وفي عام 1998 حققت الحلم».

تتبدى جماليات مميزة في مبنى الكورتيارد الذي يشبه المحراب أو الصومعة، فلدى دخوله يستقبلنا صوت خرير المياه، وهو يضم صالتيّ عرض: «توتال آرتس» و«كورتيارد كافيه أند آرت»، حيث تملك الأخيرة الإماراتية سامية صالح.

وهناك أيضاً مجمع السركال، الذي يضم وحده، ما يزيد على أربع غاليريهات، هي: «أيام»، «موجو»، «كاربون 12»، «إيزابيل فان آيند»، أما بقية الغاليريهات فتتوزع بصورة مستقلة، وذلك مثل «جام جار» و«الجدران الأربع» و«الخط الثالث» و«ذا شيلتر»، وغيرها.

توجهات بانورامية

تختلف هذه الغاليريهات في توجهاتها الفنية، فعلى سبيل المثال تولي غاليري «توتال آرتس» اهتماماً كبيراً بالتصوير الفوتوغرافي، وتستضيف ما بين 10 إلى 12 معرضا في العام الواحد.

ومن أهم المعارض التي قدمتها «مصورو الشرق الأوسط المحترفون»، «دبي دبي» الذي شارك فيه مصورون من الشرق والغرب، بالإضافة إلى معارض في الفن التشكيلي، أبرزها معرض «النافذة» لفنانين إماراتيين، ومعرض «أنا وهي» للفنان الإماراتي عبد الرحيم سالم.

وفي إطار نهضة الحركة الفنية الشرق أوسطية المعاصرة، تبنت معظم الصالات في السنوات الأخيرة هذا المحور معايير عالمية، وعلى رأسها غاليري ميم لأصحابها الشيخ سلطان القاسمي ومشعل كانو وتشارلي بوكي، وهي متخصصة في الفنون الإسلامية والعربية المعاصرة التي تعكس بيئة وحضارة البلدان الإسلامية.

وأما غاليري «كورتيارد» التي قدمت حتى الآن 26 معرضاً تشكيلياً، فتعتبر أول صالة تقدم أعمال فنانين عالميين في المنطقة، وكان ذلك في عام 2001، حيث عرضت ل بيير أوغستي رينوار وسلفادور دالي والفرنسي بيرنارد بوفيه (1928 ؟ 1999) والإيطالي لويس توفولي (1907 ؟ 1999). كما ركزت في العامين الماضيين على الأعمال الفنية المعاصرة في الشرق الأوسط.

وبالمجمل تركز معظم الغاليريهات الموجودة في القوز على الفن المعاصر في الشرق الأوسط، كما ذكرنا، إلا أنها تتفرد في خطها الفني. فبعض الغاليريهات يغلب عليها طابع الفن الإيراني لفنانين من المهجر ومحليين، مثل غاليري كاربون 12 وغاليري وإيزابيل فان آيند.

وهناك صالات أخرى تعزز نتاج الفنانين العرب، مثل غاليري أيام التي ترعى مجموعة من الفنانين العرب من خلال عقود سنوية تتيح لهم التفرغ الكامل لنتاجهم الفني، ويزيد عدد هؤلاء على العشرين فناناً، وهي تقوم بذلك مقابل حقها الحصري في ترويج وعرض وبيع أعمالهم.

ويحسب لصالة الجدران الأربعة دعمها للفنانين المحليين والمقيمين وتنظيم معارض لهم، إلى جانب جرأتها في تقديم معارض فنية متميزة بالإبداع لفنانين عرب مغمورين، خاصة في إطار فنون الخزف والنحت الذي تحجم عنه بقية الصالات، ومن معارضها المميزة في هذا الإطار معرض «الخزف» الخاص بالفنان العراقي المقيم، سرمد الموسوي.

ومن جانب آخر تتميز كل من غاليري جام جار وذا شيلتر، باحتضان المواهب الشابة من مختلف الجنسيات والاهتمامات، وخلق البيئة الفنية لنمو وصقل مواهبهم ومهاراتهم.

وفي هذا الإطار احتضنت غاليري جام جار العديد من المعارض لفنانين في أول مشوارهم الإبداعي، ومن أبرز معارضها في هذا الإطار: (أنا ما أنا عليه) للفنان الهندي أوبيك، (ماوراء السطح) لطلبة من المرحلة الثانوية.

على هامش المعارض

تقوم الغاليريهات في دبي بالترويج لأعمال الفنانين الذين تمثلهم، والبالغ عددهم 21 فنانا، في خارج المنطقة، بما في ذلك مشاركتهم في البيناليات ومعارض المتاحف العالمية.

وهذا بينما تنظم غاليري أيام مزادين للمقتنين الناشئة كل عام في شهري أبريل وأكتوبر، بهدف إتاحة الفرصة لمحبي الفن لاقتناء أعمال فنانين مبدعين بأسعار معتدلة، إلى جانب تهيئتهم لدخول المزادات العالمية. وتعتبر أيام أول غاليري تقيم مزاداً فنيا في منطقة الشرق الأوسط.

ويتزامن موعد مزاديها مع مزاديً كريستيز. وأما غاليري كورتيارد فهي ساهمت في الكثير من المشاريع المؤسسية، حيث تكفلت بتزويد برج خليفة بعدد كبير من الأعمال الفنية، إلى جانب دورها البارز في تزيين دبي بعدد من النصب لفنانين عالميين، مثل حصان الفنان الكولومبي فرناندو بوتيرو المصنوع من البرونز والذي يبلغ وزنه طنا ونصف الطن، وشجرة السدرة للفنان الكويتي سامي محمد، المصنوعة من البرونز أيضا.

كما تقوم كل من «آرت سوا» و«جام جار» و«الخط الثالث» و«شيلتر» بالعديد من الأنشطة التي تشمل نادي السينما والمحاضرات والورشات الفنية في مختلف فروع الفن، وبرنامج «بيشا كوشا» الذي يتيح للشباب الفرصة لتقديم أنفسهم ومشاريعهم وأفكارهم أمام الحضور، خلال زمن محدد يلتزم به الجميع.

ويحسب لشيلتر في هذا الإطار، تنظيمها للدورة الأولى في كتابة النقد الفني، بهدف مواكبة النقد المحلي للحركة الفنية في المنطقة، وذلك بالتعاون مع هيئة دبي للثقافة والفنون. وقد شارك في تلك الدورة عدد من الصحافيين والمهتمين بالفن، وكانت باللغتين العربية والإنجليزية، ومن المزمع إقامة هذه الدورة من جديد في المستقبل القريب.

رشا المالح