تهادت في خيلاء وجمال ورقة بفستانها الأبيض وطرحتها التلّي تغزل الفرحة، وبيدها باقة زهور طبيعية من زهور «التيليب»، وعريسها في السموكن الأسود بجوارها. ينزلان الدرج الرخامي لأحد أكبر الفنادق المطلة على نيل القاهرة، مشهد تختلط فيه الفرحة بالدموع، وسط دق المزاهر والطبول في الزفة المصرية الشهيرة، وتتعالى الأصوات بكلمات ولحن فريد الأطرش «دقوا المزاهر..».

الطبول، صناعتها ونوعيتها ودلالات أصواتها، تضرب في جذور التاريخ، الفراعنة، اشتهروا بصناعة الطبول من خشب السدر، وتفننوا في طرق متعددة لصناعتها فمنها الطبول العملاقة التي يضرب عليها فرق خاصة تمشي بخطى موزونة أمام فرق البناة والمشيدون للأهرامات وأبو الهول، لأن المصريين القدماء اعتقدوا دوماً أن إيقاع وصوت الطبول يحفز العقل والجسم ويحثهما على الإبداع، فقد بنيت معظم المعمار الفرعوني الذي أدهش العالم كله حتى اليوم، والذي يصعب فك شفرة أسراره.. بني على إيقاعات قرع الطبول التي اشتهر بها الفراعنة، وكانت علم يدرس في المعابد الفرعونية القديمة.

في الحروب كانت فرق «الطبلجية» تحفز المحاربين، وفي الفرح كانت تحرك القلوب وتسيل دموع الفرح، وهي من هنا كانت أداة «سلم وحرب» معاً حسبماً أطلق عليها القدماء المصريون.وعند قدماء السومريين والبابليين منذ أكثر من ستمئة ألف عام منزلة خاصة في حياة هذه الحضارة العريقة، وكانت وقتذاك تقرع في بيوت الحكمة وفي الهياكل الدينية، وكانوا ـ السومريين والبابليين يعتبرون قرع الطبول هيبة وسيطرة على شعوبهم، وكانوا يعتبرون قرع الطبول وخاصة العملاقة منها ملهماً للإبداع والأفكار الخلاقة والعمل الجاد.وكانوا يخصصون حراساً متدربين على الطبول الموجودة في المعابد وبيوت الحكمة، حتى لا تُسرق، لأن القرع عليها لها معابد كثيرة يجهلها السارق الذي يمكن بالقرع عليها يقيم الدنيا وقتذاك ولا يقعدها؛ وكان لقب «حارس الطبول» من أهم الألقاب في الحضارة السومرية والبابلية.

والدق على الطبول منذ فجر الحضارات القديمة وحتى الآن يدل على الصلة الوثيقة بين الفن الموسيقي وتحريك الشعور الإنساني.

والطبول من آلات النقر، التي تعطي إيقاعات موسيقية بأصوات عميقة مختلفة العمق حسب نوعية وصناعة الطبلة، والطبول تقرع بطريقة علمية مدروسة مثل دراسة الموسيقى وتكون ضمن التخت الموسيقي العربي، وتتكون المجموعة الطبلية من عدد من الطبول، مختلفة الأحجام والأنواع وتستخدم معظم مجموعات الطبول في التخت العربي والموسيقى الشعبية.

واشتهر التخت الموسيقي المصري بالطبول المتنوعة التي تتداخل مع أنغام «الربع تون» المميزة بشرقيتها المصرية، وهي ـ الطبول ـ فن الموسيقى في التخت المصري، ومهنة الطبال في مصر مهنة محترفة كانت تتوارث في الأسر، ثم أصبحت فنا يدرس في كليات ومعاهد الموسيقى المتخصصة في القاهرة.

وفي أميركا اللاتينية يعتبر قرع الطبول نذيرا بالحرب والسلم معاً، وهي تعكس نوع فن الموسيقى في الحضارة الأميركية اللاتينية، وأشهر أنواع الطبول هناك هي طبول «البونجو»، وبجانبها الدفوف العملاقة لضبط الإيقاع.

والطبول شاهدة على الحضارات الإنسانية المختلفة والنقر عليها يكون ضرباً باليد أو العصا الخاصة بنقر الطبول، وعلاوة على وظيفتها الموسيقية، فقد استخدمت أيضاً لأغراض أخرى متنوعة، حيث استخدم العديد من الشعوب الطبول كوسيلة للاتصال عبر المسافات البعيدة عن طريق النقر عليها بطرق خاصة تعكس مدلولات متعددة.

والقبائل الإفريقية القديمة لها مع الطبول حكايات وتاريخ، فالطبول وأكواخ الخيزوران الإفريقي القديم يعكسان عادات وتقاليد شعوب القارة السوداء والتي كتب عنها بحرفية وإسهاب الكاتب الكبير إحسان عبدالقدوس في كتابه «ثقوب في الثوب الأسود» وهي رواية تتطرق للحروب في إفريقيا قديماً وحديثاً، واتخذ الكاتب الكبير من الطبول إيقاعاً لروايته الشهيرة.

ففي الأفراح يرتدي الأفارقة من الرجال تنورات قماشية مزركشة وعمامات بيضاء كبيرة، ويعلقون على صدورهم عاج مصنع على أشكال مختلفة كقرن الخرتيت أو خرطوم الفيل «زلومة» أو رمز صغير لشجرة السندان الإفريقية الصلبة، أو رأس أسد شرس، وجميع هذه الرموز لها دلالات تتداخل معانيها مع قرع الطبول في الصحاري والغابات الإفريقية، أما النساء فكان يرتدين القش الملون وعقود من الخرز الملون ذات الحبات الكبيرة.

وعلى رؤوسهن سلال ممتلئة بالفواكه الاستوائية، نصفها أمامهن أثناء قرع الطبول وإشعال النار، فهذه المشاهد الإفريقية التي تطل من قلب القارة العريقة لها كثير من المدلولات في السلم والحرب، والأفارقة يعرفون تماماً لغة قرع الطبول، وكأنها لغة كلامية أخرى موازية للغتهم الإفريقية متعددة اللهجات.

وهنا سؤال يطرح نفسه.. كيف تصنع الطبول ومما صنعت، صناعتها أيضاً حكاية تحكى، فقط لأنها مشوقة يسبقها الفضول.

وللطبلة جسم يشبه الاسطوانة المفتوحة الطرفين ولكن لبعضها جسم يشبه الغلاية، وتغطي الفتحة بغطاء رهيف يمتد ويشد على الفتحة بإحكام ويسمى جلد الطبل، ويصنع عادة من جلد العجل أو اللدائن، وللطبلة الاسطوانية جلدان على الجانبين، بينما تغطي الطبلة شبيهة الغلاية بجلدة واحدة وفي الحضارات القديمة كان يستخدم جلد الثور والماعز.

أما خشب الطبل فيصنع أساساً من خشب أشجار السدر الذي يتم تشذيبه من الشوائب والزوائد، ثم يجوف بالمنقر ويشذب من الداخل بالسنفرة ليأخذ شكلاً اسطوانياً أو مستديراً ملائماً؛ ويترك في الشمس حتى يقوى ويشد ثم يُسنفر من الخارج وتتم زخرفته حسب ذوق الشعوب والحضارات المختلفة التي لها صلة وثيقة بالطبول.

وتتنوع أحكام وأشكال الطبول، وأيضاً تتنوع مسمياتها فمنها الرحماني والرنة والكاسر والمرواس، وجميعها مسميات عربية على امتداد العالم العربي.

ولكل نوع من الطبول رنة خاصة تؤثر في تخت الموسيقى الشرقية خاصة الشعبية منها، ويزخر العالم العربي بأشهر الطبالين في العالم أجمع، على إيقاعها رقصت أشهر راقصات مصر في الأفراح والحفلات منهن، سامية جمال ملكة الرقص الشرقي، وتحية كاريوكا، سلطانة الرقص الشرقي، وسهير زكي التي اشتهرت بالرقص على موسيقى أغاني أم كلثوم وفي خلفيتها الطبلة التي تنظم إيقاع الموسيقى، وفيفي عبده التي طافت العالم راقصة تعرض فن الرقص الشرقي المصري الأكثر تميزاً على الإطلاق.

وهندية التي تبناها فنياً المخرج الكبير جلال الشرقاوي، أيضاً لوسي التي اشتهرت بالرقص الشرقي في العديد من الحفلات والأفراح وزفة العروس وسط الشموع والدفوف والرق واشتهرت البواخر الفندقية العائمة على صفحة النيل في القاهرة، بفرق موسيقية تعزف الموسيقى الشرقية وفي خلفيتها إيقاع الطبول على مختلف أشكالها، تحت أضواء ليل القاهرة الساحر، تبحر على امتداد النهر لتصل إلى ضاحية حلوان وسط أجواء رائعة وعشاء سبع نجوم..

وناس ودينا وسهر حتى الصباح، فللموسيقى سحرها، تنقى القلوب وبالإنسان تسمو، وهناك بعض أنواع الطبول تعرف عربياً خاصة في منطقة الخليج باسم «الرواح» أي الترويح على النفس.. نعم نحتاجها.. نحلق معها.. بعيداً عن واقع غابت عنه كل معاني الإنسانية، فلنهرب إلى الإيقاع والنغم لنحيا إنسانياً، وتعود رومانسية غائب عنا.

وتعتبر حفلات الأوبرا المصرية أروع الحفلات التي ترتقي بالإنسان.. تخت شرقي ناي وطبل ودفوف بقيادة الموسيقار الكبير عُمر خيرت والذي اكتشف الموهبة الشابة ياسمين عبدالعزيز التي تخصصت في القرع على الدف والإكسلافون، فيسرى لحن «أنت عمري» لكوكب الشرق في وجدان الحضور.. لنعيش برهة في زمن جميل، نخرج منه بقوة الدفع بعد انتهاء الحفل.. ولكن للخيال الإنساني روعته، يستحق كل جميل ورائع وعظيم فيه يعيش وبه يحيا، وستظل الموسيقى وإيقاع الطبول هم كل معاني الفرح ونقاء الوجدان لأي إنسان بين ضلوعه قلب ينبض بأبجديات الحب والتحليق.

إيقاع لطبلة خاصة جداً مازال إيقاع في الأذان منذ الصغر وحتى الآن، طبلة المسحراتي خلال شهر الشهور رمضان، عندما يطوف الحارات والشوارع والنجوع، يقرع طبلته بعصا صغيرة ويغني، فيرد الصغار عليه من الشرفات، يقولون يا مسحراتي دق تحت الشباك من المسا وحتى الفجر.. أهلا رمضان فرحنا به بعد غيابه وبقى له زمان.. وصوت إيقاع الطبلة يسبق الكلمات «أصحا يا نايم.. وحد الدايم»..

وللفن السابع مع الطبول إيقاع، من أشهر هذه الأفلام فيلم «الراقصة والسياسي» بطولة العبقري الراحل أحمد زكي وسمراء الشاشة نبيلة عبيد وصلاح قابيل وعادل أدهم ونبيلة السيد، الفيلم من إخراج أشرف فهمي وتأليف إحسان عبدالقدوس وسيناريو مصطفى محرم وحوار بهجت قمر.

تدور أحداث الفيلم حول طبال ـ أحمد زكي ـ يتولى تدريب راقصة الموالد «مباهج» نبيلة عبيد ـ وتحويلها لراقصة محترفة.

الفيلم يلقي الضوء على دور إيقاع الطبلة في الرقص الشرقي، ومدى اعتزاز الطبال لفنه.

وفي الغناء يكون للطبلة البطولة في التخت الموسيقي، وكذلك في الرقصات الفولكلورية الشامية بصفة خاصة، كالدبكة.

وللطبلة مكان في عناصر الديكور الشرقي في المنازل الشرقية العريقة، فنجدها في ركن جميل تأخذ مكانتها ومكانها فيه وبجوارها «فونوغراف» كقطعة ديكورية قديمة مصنع من النحاس، يوضع على ترابيزة برونزية مشغولة بخشب الورد على طريقة فن الأرابيسك، أيضاً الفنادق الكبرى تتخذ من أنواع الطبول أشكالاً لقاعاتها الشرقية.

وسنظل نحلم بيوم تدق فيه الطبول معلنة سلاما يعم البشرية، مودعين إيقاعات الحروب والعنف وقسوة البشر على البشر.

منى مدكور