لايزال الماضي يعيش بيننا، على الرغم من السنوات الطويلة التي تفصلنا عنه. وهذا الماضي ليس في المباني والعمارات وإنما في المياه. إنه خور دبي الذي لايزال يعبر المدينة، ويصبح الشاهد الأول والأخير على ذكرياتها:
سفن خشبية تمخر مياه الخور وتشكل لوحات فنية كأنما نفذتها مخيلة رسام عبقري. وهناك سفن النقل، أي «العبرة»، التي تنقل الناس بين ضفتي ديرة وبر دبي. ومع تطور مواصلات دبي أصبح هناك الباص المائي. وهناك مشروعات لربط الإمارات جميعها بهذا الباص المائي لأنه أقل كلفة وأسرع.كان الإماراتيون يعيشون من البحر ويرتزقون منه، ربما يتساءل المرء: لماذا لم يشيدوا بيوتهم على البحر مباشرة رغم قربه؟يعود السبب إلى أن البحر منطقة مكشوفة، معرضة لعوامل المناخ المتقلبة مثل العواصف والرياح والأمطار. ويعتبر النواخذة، أي العاملين في البحر، بمثابة «كابتن» سفن.
لذلك فإن الشكل العمراني في دبي قائم على هذه الفكرة، أي وجود الخور والبيت والبحر في تكوين المدن القديمة. لذا تجد الشندغة مبنية على الخور وعلى أساس هذه الفكرة، لإعطائها الحيوية والفاعلية من أجل جذب السياح. جماليات الخور يعد الخور منفذاً مائياً بحرياً يقطع مركز المدينة، جيئة وذهاباً، وهو يُذكر بالتجارة القديمة التي كانت تقوم على ضفافها منذ قرون حيث عمليات شحن وتفريغ المراكب التقليدية الآتية من بلاد الهند وبلدان شرق أفريقيا. ويبلغ طول هذا الخور نحو 15 كيلومتراً.
ويشكل ميناء طبيعياً للسفن. ويقال إنه لولا الخور لما ولدت الحياة على هذه الأرض لأنها كانت تحمي الصيادين والتجار وصيادي اللؤلؤ، من وحشية الطبيعة. فلم يكن من الطبيعي أن يسكن الناس على ضفاف البحر مباشرة، لأنه صاخب ومتموج ولا يعرف حدوده مع المد والجزر، فيمكن أن يبتلع البيوت لو غضب البحر ذات يوم وما أكثر ساعات غضبه عندما تركبه الرياح.والخور.. لسان بحري طبيعي، إلا أن تدخل الإنسان زاد من جمالياته وسحره، وكان أول مشروع لتوسيع الخور بمبادرة من المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، حيث كان يفكر منذ الخمسينات بتحويل دبي إلى مركز تجاري مهم في المنطقة. ونجحت تنبؤاته في ذلك. وتمكن من تحويل الخور إلى أول موانئ دبي الطبيعية التي تقوم بعمليات الاستيراد والتصدير.
سوق الذهب
أجمل ما في الخور أنه يجمع بين بدو الصحراء وصيادي اللؤلؤ في قديم الزمان، وينتهي ببحيرة ضحلة تحولت إلى محمية للطيور، تسكن فيها طيور الفلامنغو التي تضفي جمالاً أخاذاً على هذا المسكن المائي. ولطالما ولدت المدن على منشأ المياه. ودبي مثل المدن الكبرى: نيويورك ولندن وسيدني. إنها المدن التي تحتفي بالماء والماء يحتفي بها.
إنها تضفي جماليات خاصة على المكان، وتكسيه بزرقة الماء، لتكتمل مع زرقة السماء. كانت البيوت التقليدية والمحال الصغيرة تنتشر على ضفاف الخور قبل أن تكتسحها بنايات عملاقة وأبراج شاهقة وعمارات ضخمة، ولم يتبق منها سوى فسحة صغيرة، انتشرت عليها دكاكين تتكدس عليها أكياس التوابل والبخور والأعشاب الطبيعية في محاولة لاستحضار الماضي.
ولا تزال هذه الأماكن تذكر بالماضي إذ تنتهي هذه الأزقة الضيقة إلى سوق الذهب، وواجهاتها المليئة بالحلي الذهبية من كل الأصناف والنماذج. أما في بر دبي فتكثر الأزقة التي تنتشر على جانبيها محال الأقمشة. وتصبح قبلة للسياح وعشاق البضائع التقليدية.
البيت والبحر
كانت الحياة في دبي مرتبطة دوماً بالبحر، فولدت مهنة صيد السمك التي أدت بدورها سريعاً، إلى ظهور الصناعات المتعلقة بها، مثل القوارب وشباك الصيد وصيد اللؤلؤ، إذ بدأ تجار دبي يجوبون البحار بحثاً عن أسواق لبضاعتهم.
واكتسب لؤلؤ دبي شهرة عالمية جعلت من الغوص عماد ازدهار المدينة حتى الأربعينات من القرن الماضي، إلى أن هجم اللؤلؤ المصنع وأبطل هذه التجارة الرابحة لسنوات طويلة قبل اكتشاف البترول.
حصن الفهيدي
على الرغم من وجود الأبراج والعمارات والبنايات الضخمة، لا يمكن غض الطرف عن حصن الفهيدي في بر دبي، الذي يعود تاريخه إلى 1799، حيث يحتضن الآن متحف دبي، حينما كان يحمي مداخل المدينة من ناحية البر، فهو يمثل قصراً وحامية وسجناً في وقت واحد.
وجرى ترميمه عام 1970 ليستخدم متحفاً، وهو يحتوي على صالات تجسد مشاهد من الخور وصوراً معبرة للبيوت العربية التقليدية والمساجد والأسواق ومزارع النخيل والحياة الصحراوية والبحرية.
وعلى مقربة من مدخل الخور توجد قرية التراث وفيها يعرض الخزافون والنساجون صنائعهم. وتشكل قرية الغوص جزءاً من الحياة البحرية التي عاشتها مدينة دبي. كما يوجد على الخور عدد من المنازل العريقة أهمها: بيت الشيخ سعيد آل مكتوم، حاكم دبي الأسبق، عند تقاطع الشندغة مع الخور.
ويحتضن البيت الذي بني عام 1892، مجموعة نادرة من الصور والعملات والطوابع والوثائق التاريخية التي تسجل تاريخ دبي. وعلى مسافة أبعد نحو البر توجد قرية البوم السياحية التي تتكون من قاعة حفلات تتسع ل 2000 شخص ومقهى ومطعم وحديقة ألعاب وبحيرة مزينة، وحوض يستوعب رسو خمسة زوارق نزهات.
المباني التاريخية
في الواقع، لم تتعرض سوى الشندغة للهدم، وظلت المناطق الأخرى على حالها دون تغيير. ويجب أن نعلم بأن قرار الحفاظ على المباني التاريخية لا لبس فيه، حيث بدأت عمليات الصيانة والترميم في عام 1996، باستثناء بيت الشيخ سعيد الذي تم بناؤه وترميمه في عام 1985.
فكانت تلك مناسبة للعودة إلى النسيج العمراني للمنطقة. ولم يكن يظهر السوق التقليدي القديم بهذا الشكل إلا بعد ترميمه. على سبيل المثال يوجد سوقان تقليديان في المدينة القديمة» السوق الكبير» في ديرة ويسمى «بندر طالب»، و«السوق الكبير» في بر دبي.
سوق الجميرا
هناك أشكال قديمة تم بناؤها حديثاً بشكل قديم، مثل سوق جميرا، ولكن الأسواق الموجودة في الشندغة تتميز بالأصالة، أي أنها قديمة بالأصل، وتحولت إلى مركز تجاري واقتصادي. وهي مجموعة كبيرة من المباني تمتد من الخور وتصل إلى المحمية، عبر شارع السيف، وتمر بجسر آل مكتوم وجسر القرهود إلى معبر الخليج، ثم تدخل إلى برج دبي، وترجع إلى البحر عن طريق الجميرا.
وتنتشر على الخور، مبان محيطة ببيوت الشيوخ تحتوي على متاحف عدة، منها بيت الشيخ حشر الذي تحول إلى بيت العمارة التقليدية حالياً. ويوجد بيت الخيل وبيت الهجن أيضاً.
وهناك مبنى الجمارك، وهو أقدم المباني الإدارية في الشندغة. بالإضافة إلى بيت الوكيل البريطاني في السوق الكبير في بر دبي على الخور، إذ تم تحويله إلى مطعم.
والمباني الكائنة على الخور، تنقسم إلى أنواع، ومنها ما الدفاعية مثل القلاع والحصون والأبراج، وهي مربعة الشيخ عبيد ومربعة الشندغة، ومبان سكنية ومبان دينية ومدارس من ضمنها المدرسة الأحمدية.
وكذلك متحف البلدية القديم الذي كان في السابق هو مبنى البلدية. وكان مكتب الشيخ هناك حيث تدار شؤون البلاد منه، كالتراخيص والبناء والمشاريع والطرق والصرف الصحي والمشروعات البيئية وغيرها.
وما يميّز الشندغة أن فيها مبنى للجمارك على الخور مباشرة، حيث أعيد بناؤه طبقاً لرسوماته القديمة. ومن المؤمل أن يصبح متحفاً للجمارك حيث يوج عدد كبيراً من الوثائق والصور القديمة. ويُضاف إلى ذلك، متحف الشرطة في سوق نايف.
مواد بناء طبيعية
من المعروف أن المباني التاريخية الكائنة على الخور، لها مميزات خاصة، على سبيل المثال، كانت تستخدم الخشب في الأسقف أو الجدران، ولهذا السبب تدهورت بسرعة بسبب تعرضها للرمة أو الأرضة أو الرطوبة.
ولعدم وجود الأسمنت فيها، فهي تتآكل بشكل سريع مع الماء والرطوبة. لذلك يتم غسل الرمل من الملوحة. لذا يتم البحث عن بديل لتلك المواد، مثل استبدال الحديد بـ «الفايبر» المقوى، وهو عبارة عن أسياخ تتحمل القوة ولا تصدأ، وهي من مخلفات البترول.
لكن ديمومة المباني القديمة يأتي من كونها مصنوعة من البيئة ذاتها، ولذلك يعمّر أكثر من أية مادة غريبة تدخل فيه، وخاصة إذا كانت كيميائية، إذ تؤدي إلى تلفها بسرعة لذلك تعيش المباني الحجرية فترة أطول. إنها أبنية تحافظ على ذاكرة المكان التي لا نجدها في الأبراج الزجاجية. لكن كلاهما ينعكس في مياه الخور، بحثاً عن الذاكرة التي يسحقها الزمن دون رحمة.
شاكر نوري



