في طفولتنا كانت خيارات المتعة قليلة ومحدودة، وكان الصيف طويلاً ومملاً، وكانت السينما طقساً اجتماعياً وحيداً يصحبنا فيه الأهل، وكانت المحطة التلفزيونية اليتيمة تبث من السادسة حتى العاشرة ليلاً، وكذا حال الإذاعة التي تبدأ في السادسة صباحاً وتختتم منتصف الليل معظم برامجها إخبارية أو غنائية، ولم يكن في الجوار مقهى للإنترنت أو (وايرلس) في المنزل أو (ريسيفر) يضع كل قنوات العالم في حضنك، كما لم يكن السهر متاحاً حتى لا نصرف مزيداً من الكهرباء أو حسب الأمهات الحريصات حتى لا نؤذي أعيننا.

في تلك الأيام كان الكتاب متنفساً للمعرفة، ومن خلاله يمكن للمرء أن يطير إلى لندن مع روايات أغاثا كريستي أو إلى باريس مع مغامرات أرسين لوبين، أو إلى القاهرة مع إحسان عبد القدوس ومحمد عبد الحليم عبدالله ومن ثم نجيب محفوظ، وفي مرحلة لاحقة كانت روسيا القيصرية نموذجاً لأرض روائية زرع فيها أنطوف تشيخوف ومكسيم غوركي وغيرهما آلاف الصفحات المضيئة التي مهدت لمنحنى جديد في الفكر الإنساني، وفي مرحلة الرومانسية المبكرة لا غنى عن جبران خليل جبران الذي فاضت معانيه عن السطور ودخلت في بواكير رسائلنا العاطفية.

يقول خبراء الطفولة «إذا كان البيت عامراً بمكتبة ولو صغيرة، تضم الكتب والمجلات المشوقة، وكان أفراد الأسرة ولا سيما الأب من القارئين والمحبين للقراءة، فإن الطفل سوف يحب القراءة والكتاب».

وماذا إن لم يكن الأمر كذلك، وهو ما كان عليه الحال في طفولتنا حيث الجري خلف متطلبات الحياة يرهق الآباء نفسياً ومادياً، ولم تكن هناك مكتبة ننهل منها، بل كان هناك دافع للمعرفة وجوع فطري للاكتشاف، جوع لا يسده كتاب واحد، لذلك كنا ننهل من مكتبة الرصيف التي تبيع طبعات شعبية من الكتب القيمة بثمن زهيد، كتب نقتنيها بما تيسر من مصروف الطفل حتى أصبحت القراءة حقلاً للتنافس.

ذلك التنافس أعطانا اليوم متعة المعرفة وزين لنا قيمة العقل المنفتح لتقبل الآخرين والتصادق مع الحياة والتصالح مع الزمن، وها نحن نصحب أطفالنا إلى كبرى المكتبات (وهو ما لم يفعله آباؤنا) آملين أن يحظوا بالكتب التي يحبونها، لكنهم سرعان ما يرمونها جانباً ويحتضنون كمبيوترهم المحمول ومن ثم يبدأ عالم افتراضي للعيش وكأن كل طفل في كوكب، رغم سقف واحد يظللنا.

شيء ما تغير، شيء ما انكسر.