عرفت الجزائر ثورة تحررها الوطني خلال سنوات 1954 ـ 1962. وكان «كونستانتان ميلنيك» يعمل مستشاراً لدى رئيس الوزراء آنذاك لمسائل الأمنية والاستخبارات خلال سنوات 1959 ـ 1962. هذا يعني أنه كان مقرّباً من مراكز القرار وعايش أحداث الثورة الجزائرية من داخلها. وهو يقدم شهادته على تلك الفترة من خلال كتابه: «ديغول والأجهزة السرية والجزائر».
إن المؤلف يحاول الإجابة على أسئلة من نوع: هل استخدم الجنرال ديغول معلومات الأجهزة السرية الفرنسية بعد عودته إلى السلطة عام 1958؟ وهل كان من الممكن تقصير مدة حرب الجزائر؟ وهل كان بالمستطاع القضاء على إرهاب منظمة العمل السري، المناهضة لاستقلال الجزائر آنذاك، بزمن أقل؟
كانت الصحافة الفرنسية قد أطلقت خلال سنوات حرب التحرير الجزائرية على كونستانتان ميلنيك، صفة «أحد أكثر الرجال نفوذاً في فرنسا»، كما يذكر هو نفسه في مقدمته ليشير بعد ذلك أنه يريد اليوم قول الحقيقة كلها، ولا شيء غير الحقيقة، بعد أن كان قد قدّم عدة روايات متنوعة.
إنه يروي في هذا الكتاب ما قامت به الأجهزة السرية الفرنسية التي «تغلغلت» في صفوف ثوار جبهة التحرير الوطني الجزائرية. ويتحدث عن عمليات التجسس الهاتفي على عدد من المسؤولين السياسيين في شمال إفريقيا ومن بينهم الرئيس التونسي السابق الحبيب بورقيبة، كذلك يتعرض للعمليات التي قام بها مناهضو استقلال الجزائر من الجنرالات الفرنسيين، وأيضاً للأجواء التي مهّدت ورافقت المفاوضات السرية مع جبهة التحرير قبل فترة من التوصل إلى اتفاق ايفيان وحصول الجزائر على استقلالها الوطني.
هذا الكتاب هو في الواقع نسخة جديدة وأكثر شمولًا وتفصيلاً من كتاب كان المؤلف قد نشره عام 1988 تحت عنوان: «1000 يوم في ماتينيون»، وقصر ماتينيون هو مقر رئاسة الحكومة الفرنسية. وقد أضاف المؤلف لهذه النسخة الجديدة ثلاث وثائق. الأولى هي عبارة عن مقدمة كتبها أستاذ التاريخ اوليفييه فوركار الذي قام بالمقارنة بين محتويات هذا العمل وبين المعلومات الموجودة في أرشيف ميشيل دوبريه، رئيس وزراء فرنسا الأسبق لدى الجنرال ديغول. ويصل «فوركاد» في مقدمته إلى نتيجة مفادها أن كونستانتان ميلنيك يتحدث عن «أشياء يعرفها جيداً»، لكن مع ميل نحو «إعطاء الأهمية الأكبر لرئاسة الحكومة»، وبالوقت نفسه نحو «القليل من دور قصر الاليزيه ـ رئاسة الجمهورية ـ ومن دور الجنرال ديغول نفسه».والوثيقة الجديدة الثانية المرفقة مع الكتاب هي حوار أجراه المؤلف مع المؤرخ سيباستيان لوران. ويخص هذا الحديث بصورة أساسية سياسية القمع التي قامت بها الأجهزة الخاصة الفرنسية والجيش الفرنسي أثناء حرب الجزائر. ولا يتردد المؤلف في القول إن الجنرال ديغول كان قد استخدم السياسة بقدر من الحماس أكبر. ويقول: «مع ذلك، لقد كان لدى الجنرال ميلًا لقبول عنف الدولة. وهذا ما أجده مع مرور الزمن أمراً مثيراً للرعب».
ثم يضيف: «إن مساهمتي بذلك العنف الذي مارسته الدولة تثير لدي نوعاً من الندم المستمر».لكن المؤلف يؤكد بالمقابل في نفس السياق أن الجنرال ديغول منع اللجوء إلى التعذيب. ويستدرك في الحال: «لكن كانت هناك ظنون أن التعذيب كان يُمارس أيضاً من قبل الأجهزة المختصة في الجزائر ؟ وحدات الحماية ـ ولكن ليس من قبل جهاز الأمن الخارجي ولا من قبل باريس، ولكن من قيادة الجيش في الجزائر . إن رجلًا ذكيّاً مثل الجنرال ديغول ما كان له سوى أن يظن باستمرار ممارسة التعذيب في الجزائر من قبل الوحدات المعنية».
ويعود المؤلف للحديث عن محصلة «نشاط» الأجهزة السرية الفرنسية في الجزائر. ويؤكد قوله سابقاً أن عام 1961 وحده عرف مقتل 103 من تجار الأسلحة لصالح جبهة التحرير الجزائرية وتدمير طائرتين تابعتين لهم وكذلك سبعة من سفنهم، إنما هو «قول مغلوط» ولا يدل على الحقيقة. ويؤكد بالمقابل أن الجنرال ديغول كان قد حدد ثلاث قواعد طالب بتطبيقها بشكل صارم. وهي عدم اللجوء إلى عمليات اغتيال في فرنسا وعدم القيام بها ضد مواطنين فرنسيين وطلب الموافقة المسبقة للرئيس قبل أية عملية من هذا النوع.لكن هذه التعليمات والقواعد لا وجود لها في الأرشيف، كما أشار المختصون حيال النسخة الأولى من الكتاب. وهنا يتراجع المؤلف في النسخة الجديدة بقوله: «إنني أتساءل اليوم إذا لم تكن هذه القواعد قد طُبقت منذ عهد الجمهورية الفرنسية الرابعة، أي ما قبل حكم ديغول. ولا أعتقد أن الجنرال نفسه هو الذي صاغها». ويستدرك ميلنيك مرة أخرى قائلًا: «إن تعليمات ميشيل دوبريه كانت غالبا شفهية أو مكتوبة بخط اليد بحيث كنت أقوم بتسليمها، كما هي، ـ الجهاز المختص ـ جهاز التوثيق الخارجي لمكافحة التجسس».
إن أرشيف هذا الجهاز لا يزال «متعلقاً» منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وبالتالي لا يمكن التحقق من ذلك.
كما يؤكد المؤلف أن كتابه ليس نوعا من «المذكرات» التي لا مكان لها، برأيه، في مثل هذا الميدان. ولكنه عمل بعيد عما يسميه ب«اللغة الخشبية». هكذا لا يتردد في إصدار أحكام قاسية على أولئك الذين كانوا يحيطون بالجنرال والذين كانوا يمارسون «أثناء الأزمات» تصرفات تنتمي بالأحرى إلى عالم «التراجيديا ـ الكوميديا»، أكثر مما تنتمي، برأيه، إلى عالم المسؤولية.
بهذا المعنى لا يتردد في القول أن الجنرال كان محاطا ب«بطانة سيئة». وأنه كان هو نفسه «يزدري» إلى حد كبير «الأجهزة».
وفي المحصلة النهائية يميل المؤلف إلى القول أن الجزائر شكلت «الوجه القائم» في مسار الجنرال ديغول مقابل «الوجه المضيء» الذي شكّله نداءه لمقاومة النازيين بتاريخ 18 يونيو ـ حزيران من عام 1940.
المؤلف في سطور
عمل كونستانتان ميلنيك لعدة سنوات (1959 ـ 1962) مستشاراً لدى رئيس وزراء فرنسا آنذاك ميشيل دوبريه. يبلغ من العمر اليوم 82 سنة.
الكتاب: ديغول والأجهزة السرية والجزائر
تأليف: كونستانتان ميلنيك
الناشر: نوفو موند ـ باريس 2010
الصفحات: 464 صفحة
القطع: المتوسط
De Gaulle, les services secrets et L'Algérie
Constantin Melnik
Nouveau Monde - Paris 2010
364 p.

