فرنسا والولايات المتحدة الأميركية يشكّلان ثنائيا تحكمه «صداقة فيها الكثير من المفارقات»، هكذا يقول المؤرخ الفرنسي للعلاقات الدولية «كريستيان بيربنت» في كتابه الأخير الذي يحمل عنوان: «فرنسا ـ أميركا: 200 عام من التاريخ».

الصداقة الأميركية ـ الفرنسية تعود جذورها، كما يقول المؤلف، إلى القرن الثامن عشر. ذلك أن البلدين يتملّكهما طموح أن يجسّدا نموذجا ، موديلا ـ يقتدي به الآخرون ويدافعان عن قيم ذات تطلع كوني، يونيفرسال، ويربط المؤلف في تحليلاته سياق تطور صداقتهما ومسار علاقاتهما بدافع «البحث عن القوّة» الذي تسارع أكثر فأكثر خلال القرنين المنصرمين.

ويشير المؤلف إلى أن «التباين» في هذه العلاقات، بل وظهور بعض مواطن الاختلاف والتعارض أحيانا، إنما يعود بالأحرى إلى واقع أن فرنسا ظلّت «قوة متوسطة» تمتلك وسائل وإمكانيات تحقيق أهدافها بينما غدت أميركا، الولايات المتحدة الأميركية قوة كبرى منذ مطلع القرن العشرين، وخاصة بعد الحرب العالمية الأولى، ثم إحدى القوتين العظميين، إلى جانب الاتحاد السوفييتي السابق، بعد الحرب العالمية الثانية ثم القوة العظمى الوحيدة بعد سقوط جدار برلين عام 1989 وانهيار الكتلة الشيوعية.

ويعيد المؤلف أحد أسباب التباين في العلاقات الفرنسية ـ الأميركية إلى واقع وجود غياب كبير لأية مجموعة أميركية ذات أصول فرنسية، كما هو الحال بالنسبة لذوي الأصول الانجليزية والأيرلندية. هذا النقص نتج عنه بصورة «آلية» نقص آخر في درجة معرفة كل طرف للآخر. وهذا ما يشرحه المؤلف في الفصل الأول من الكتاب الذي يحمل عنوان: «فرنسا المطرودة من أميركا».

ويحتوي هذا الكتاب تسعة فصول أخرى يتعرض فيها المؤلف حسب التسلسل التاريخي للمحطات الأساسية في تاريخ العلاقات الأميركية ـ الفرنسية. هكذا يتم تكريس فصل لهذه العلاقات في الفترة الواقعة بين قيام الثورة الفرنسية الكبرى عام 1789 وحتى عام 1815 تحت عنوان: «الحرية والجمهورية والثورات، أشكال الغموض والخلاف». وتكريس فصل لما يسميه المؤلف: «لحظة ويلسون: مساعدة أميركية لا بدّ منها».

وفصل يحمل عنوان: «أشكال التأثير الأميركي في فرنسا خلال فترة ما بين الحربين العالميتين ووجود نموذج ، موديل ـ أميركي فرنسا وصعود نزعة معاداة أميركا». الفصل الأخير من الكتاب يحمل عنوان «فرنسا في ظل الجنرال ديغول والأميركيين: استقلال معلن وتحالف مستمر».

ويشرح المؤلف أسباب المواجهة بين الفرنسيين والانجليز في القرن الثامن عشر من أجل فرض السيطرة السياسية على القارة. إنها المواجهة التي انتهت بهزيمة الفرنسيين.

وكانت حرب الاستقلال التي خاضها الأميركيون ضد الاستعمار البريطاني مناسبة ل«أخذ الثأر» من الانجليز. فما كان منهم سوى أن دعموا بصراحة وبقوّة «المتمردين» الأميركيين. وكان التدخل الرسمي لفرنسا قد ساهم في الانتصار الحاسم لثوار مدينة نيويورك عام 1780 مما شكل نقطة انطلاق وعملا تأسيسيا للصداقة بين الأمتين»، صداقة قاومت كل ما اعترضها خلال قرنين من الزمن»، كما يشرح مؤلف هذا الكتاب.

ويشير المؤلف إلى أن القوة الفرنسية حظيت بترحيب كبير «في البداية» من قبل الأميركيين الذين أعلنوا عن «غبطتهم» لانتصار الجيش الثوري على القوات الأجنبية التي جاءت لدعم «النظام القديم» في فرنسا.

لكن خبر الحكم بالإعدام على لويس السادس عشر الذي كان قد ساهم في «صنع» الاستقلال الأميركي، قلل من الحماس «الشعبي» في أميركا. ولكن بقيت العلاقات قوية على الصعيد الرسمي، إذ كان القاسم المشترك بين الطرفين هو «العداء» للإنجليز.

وبعد عملية استعراض لمختلف المراحل التاريخية التي عرفتها العلاقات الأميركية ـ الفرنسية حتى فترة حكم الجنرال ديغول ابتداء من عام 1958، يصل المؤلف إلى القول إن المساهمة التي قدّمتها فرنسا في دعم حرب الاستقلال كانت ذات فوائد كبيرة بالنسبة لتدعيم العلاقات بين البلدين. ذلك على قاعدة أنها كانت مساهمة حاسمة ولم «يتنكّر» لها الأميركيون.

ويعيد المؤلف لذلك الموقف الفرنسي «القديم» السبب، أو على الأقل أحد الأسباب الرئيسية، في المساعدة «الحاسمة أيضا» التي قدّمتها الولايات المتحدة الأميركية لفرنسا خلال الحرب العالمية الأولى (1917 ـ 1918) ثم خلال الحرب العالمية الثانية خلال سنوات (1942 ـ 1945) عندما جرى الإنزال الأميركي الشهير في منطقة النورماندي والذي ساهم كثيرا في تحرير فرنسا من الاحتلال النازي.

وفي المحصلة يقدم المؤلف «توليفا» تاريخيا على المدى الطويل ، 200 سنة ـ للعلاقات الفرنسية ـ الأميركية. وهو يعتمد على دراسة العديد من الدراسات الحديثة والقديمة التي قام بها باحثون أميركيون وفرنسيون.

ومن المهم الإشارة إلى أن المؤلف لا يقتصر في دراسة في المظاهر الدبلوماسية والسياسية ولكن يولي الأهمية للعلاقات بين الشعبين الفرنسي والأميركي.

المؤلف في سطور

يعمل كريستيان بيربنت، مؤلف هذا الكتاب، أستاذا للتاريخ. يحمل شهادة الدكتوراه في هذه المادة والإجازة الجامعية من معهد الدراسات السياسية بباريس.أولى اهتمامه خاصة لدراسة تاريخ العلاقات الدولية في مطلع القرن العشرين وتأثير الحركات الداعية للسلام عليها. من مؤلفاته: «مناضلو السلام»، موضوع أطروحته لنيل الدكتوراه، وسيرة حياة تشي غيفارا تحت عنوان: «تشي، حياة من أجل الثورة» و«السلام المستحيل».

الكتاب: فرنسا ـ أميركا 200 سنة من التاريخ

تأليف: كريستيان بيربنت

الناشر: إيلليبس باريس 2019

الصفحات: 320 صفحة

القطع: المتوسط

France ـ Amérique : 200 ans d'histoire

Christian Birebent

Ellipse -Paris 2010

320p.