في هذا الكتاب الجديد «عالم مدهش»، يقدم غي سورمان،المفكر اللبرالي الفرنسي المعروف، ما يعتبره «يوميات العولمة ما بين 2006 و2009»، كما يقول عنوانه الفرعي. ومادة هذا الكتاب هي مجموعة من المقالات والدراسات التي كان المؤلف قد نشرها ثم قام بجمعها وإصدارها في هذا العمل بعد أن أعاد قراءتها على ضوء المستجدات. ويبلغ مجموع هذه النصوص حوالي 300 نصّ يتمثل الخط الناظم لها في «العولمة» التي يقدمها «غي سورمان» على أنها أكثر من منظومة بضبط آليات عمل الاقتصاد عامة السوق خاصة، إذ يعتبرها ك«حضارة».
إن المؤلف الذي جاب خلال فترة كتابة مواد هذا العمل العديد من مناطق العالم من نيويورك إلى برلين ومن بقاع الصين حتى مناطق الهنود في أميركا اللاتينية، يقدم للقارئ مجموع المشاهدات التي عاشها وما رآه فيها من مظاهر العولمة. وهو يؤكد قوله: «إن الأصل الجغرافي كان له لفترة طويلة من الزمن أثرا حاسما في تحديد المصير الشخصي للبشر وفي صياغة رؤيتهم للعالم. إن البشر يسافرون ويهاجرون أحيانا لكنهم يحافظون على تعلّقهم بخيط، منظور أو غير منظور، بقريتهم وببلادهم. مع ذلك أصبحوا اليوم أقل فأقل ارتباطا بالمكان وأكثر فأكثر ارتباطا بالزمان، الزمان الذي يعيشون فيه. إن المهاجرين والشباب والنخب الكونية هم المواطنون الأكثر انتماء إلى زمنهم. إن أولئك الذين يحنّون إلى الماضي والذين لا يبارحون أمكنتهم ليسوا رغم ذلك بمنجاة من عيش زمنهم. كل شيء يتحرك وكل شيء يسافر وكل شيء قابل للتبادل: البشر والأشياء والموسيقى والصور والأفكار. هذه الحركة العامة وهذا التحوّل في الهوية يصنعان ما تطلق عليه تسمية العولمة».
وإذا كانت العولمة «حضارة» بهذا المعنى، فإن المؤلف لا ينسى التأكيد على أنها اقتصاد أيضا. وأن «الاقتصاد لا يكذب». ذلك أنه لا يعبّر عن «رأي» ولكن بالأحرى عن «علم». ثم إن النظريات العلمية المتجددة، ويقصد المؤلف بها أوّلا وأساسا تلك التي تفرزها اللبرالية بنسختها الأميركية خاصة، وتطبيقاتها على أرض الواقع قد غيّرت كثيرا خلال العقود الثلاثة الأخيرة المنصرمة من حياة البشر. ذلك كنتيجة لواقع التنمية الذي ترتب عليها والذي لم تشهد الإنسانية مثيلا له من قبل.
ويتعرّض المؤلف في العديد من نصوص الكتاب إلى «السوق المعولم» على أساس أنه تعبير عن منظومة اقتصادية واحدة. لا يتردد في توصيف هذه المنظومة، من حيث ما رافقها وما أنتجته، من تجديد، وأيضا من حيث روح المبادرة التي تميّزت بها، بأنها منظومة «تقدمية». ولكنها هي أبعد ما تكون عن الكمال. وأنها بالتالي بحاجة إلى توجيه النقد لها من أجل تصويب مسارها. و«النقد العلمي» تحديدا والذي لا يهدف إلى تقويض أسس ولمنظومة نفسها.
ويشير سورمان إلى عدة نقاط ضعف في تجربة «بلاد الصباح الهادئ». وفي مقدمة هذه النقاط «عدم مرونة سوق العمل» التي قد تقود البلاد إلى الطريق المسدود.
والنقطة الثانية يحددها في «عدم النضج الديمقراطي» لدى الشعب الكوري الذي لم يقبل نتائج الانتخابات مؤكدا بالوقت نفسه أن بلاده، كوريا، هي «الأكثر ديمقراطية في القارة الآسيوية».
وعن الصين التي كان المؤلف قد كرّس لها كتابا تحت عنوان «سنة الديك»، يشير بصور مختلفة إلى مجموعة ظواهر تعاني منها الصين وتتم ترجمتها بمظاهر احتجاجية. هكذا عرفت العديد من المناطق الصينية مواجهات بين الفلاحين والعمال والمتقاعدين والطلبة وبين رجال الأمن. الأمر الذي يعتبره المؤلف بمثابة «الوجه السلبي»، الآخر، للنجاح الاقتصادي الكبير الذي حققته البلاد، هذا النجاح الاقتصادي تستفيد منه بالأحرى، حسب التحليلات المقدّمة، أقلية، يقدّرها بحوالي 20 بالمائة من مجموع للشعب الصيني، من الذين يدورون في فلك الحزب الشيوعي الصيني. هذه هي النتائج التي خرج فيها سورمان عن زيارته لمناطق «نائية» من الصين لا تغامر وسائل الإعلام ولا يغامر السائحون بالذهاب إليها. إنها مناطق «الصين الحقيقية»، كما يصفها المؤلف.
المؤلف في سطور
غي سورمان أستاذ جامعي وكاتب ومدير مؤسسة صحافية. يعيش بين باريس ونيويورك، وهو أحد المفكرين الفرنسيين المعاصرين الذين اشتهروا بدفاعهم عن الاقتصاد اللبرالي.قدّم المؤلف أكثر من عشرين كتابا في عدادها «الثورة الأميركية المحافظة» و«الحل اللبرالي» و«مفكرو عصرنا الحقيقيون»، و«عبقرية الهند» و«أبناء رفاعة»، ويقصد رفاعة رافع الطهطاوي.
الكتاب: عالم مدهش
تأليف: غي سورمان
الناشر: فايار باريس 2009
الصفحات: 561 صفحة
القطع: المتوسط
Local consequences of the global cold war
Guy Sorman
Fayard - Paris 2009
561p.

