«حرب الثقوب السوداء» هو عنوان الكتاب الأخير للباحث العلمي الأميركي «ليونار سوسكند» والذي كرّس شطرا هاما من حياته ومن جهوده للبحث في الظاهرة المسمّاة ب«الثقوب السوداء». وكان هذا الأستاذ الجامعي قد دخل منذ عقدين من الزمن، بنوع من «الحرب» ضد عالم شاب آخر هو البريطاني ستيفن هاوكنع حول «الثقوب السوداء». ومن هنا يأتي العنوان الفرعي للكتاب «معركتي مع ستيفن هاوكنغ». تجدر الإشارة إلى أن هذا الأخير «رفع الرايات البيضاء» في النهاية.
موقع «هاوكنغ» الأساسية هي أنه عندما «تأكل» الثقوب السوداء «حتى تشبع» فإنها تزول و«تأخذ معها كل ما كانت قد استهلكته على مدى مليارات السنوات من حياتها». مؤلف هذا الكتاب ليونار سوسكند رأى في مثل هذه الفكرة مكمن خطر كبير مما دفعه إلى إعلان «الحرب».
«الثقوب السوداء» هي عالم مليء بالأسرار، بل هي العالم «الأكثر جهلا فيه» في منظومة الكواكب إن سماتها عصيّة على الفهم إلى درجة أن انشتاين لم يقبل أبدا أنها موجودة. لكن تطور علم الفلك وأدواته سمح للعاملين في هذا المجال أن يكتشفوا الكثير منها في مختلف المجرّات. وعلى خلفية مثل هذه الحقيقة المثبتة اليوم يتساءل ليونار سوسكند: ماذا يجري عندما يسقط شيء ما ؟ كوكب أو حزمة ضوئية أو ربما نحن- في ثقب أسود؟
على مثل هذا السؤال كانت إجابة العالم البريطاني الشهير «على كرسيه المتحرك»، هي التأكيد أن كل «ما يسقط» في ثقب أسود «يتم التهامه» مرة واحدة إلى الأبد. وهذا ما تصدّى له مباشرة ليونار سوسكند، مؤلف هذا الكتاب، يؤكد أنها فكرة «خاطئة». ذلك على أساس أنها فكرة تهدده «جميع البناء النظري للفيزياء» على قاعدة نفيها لقانون».
إن المؤلف يحاول «تبسيط» صورة «الثقوب السوداء» وتقريبها إلى ذهن القارئ العادي بالقول: «إن كل ما يقترب كثيرا من ثقب أسود يتم امتصاصه إلى داخله وسحقه (...). ودون أن يستطيع إرسال إشارة إلى الخارج أو لطلب النجدة». ويتحدث المؤلف في هذا السياق عما يسمي ب«نقطة اللاعودة».
يقول: «إذا تجاوز أحدكم نقطة اللاعودة فلن يعود له أي أمل في الخروج ولا جدوى من عمل أي شيء. إن رسائله سوف يتم تدميرها». كذلك تتم تسمية «نقطة اللاعودة» ب«أفق» الثقب الأسود.
ويشبه المؤلف السير نحو «نقطة اللاعودة» بالتوجه على متن قارب نحو شلالات نياغارا. ذلك أنه إذا تجاوز راكب القارب صدفة النقطة التي لا تسمح بعدها سرعة التيار بأية إمكانية للتحكم. فهذا يعني أن النهاية غدت محتومة. هذا في ظل غياب أي تحذير من نوع «خطر، نقطة اللا عودة». ربما تكون هناك إشارات على مجرى النهر ولكن ليس هناك أية إشارة على مسار «أفق الثقب الأسود».
ويشرح المؤلف أن المشكلة التي هزّته في أطروحات ستيفن هاوكنغ قوله أن أية معلومة «تسقط» في الثقب الأسود مآلها هو «الضياع» نهائيا. مصدر الهلع حيال هذه الفكرة يحدده بالقول أن المبدأ الأكثر أساسية في الفيزياء، بما في ذلك الفيزياء التقليدية والفيزياء الحرارية-الحركية والميكانيك «الكوانتي» هو مبدأ الاحتفاظ بالطاقة الذي اعتقد به الفيزيائيون طيلة مئات السنوات (ليس هناك طاقة تفنى)، يتمثل في القول أنه ليست هناك أية معلومة «تضيع نهائيا». قد يمكنها أن تتشوش ويصبح من الصعب التعرّف عليها، ولكنها لا يمكن أن تمحى بشكل كامل.
نقطة الخلاف الأساسية بين رجلي العلم هي أن هاوكنغ يؤكد بأن الثقوب السوداء «تتبخّر» مثل كمية من الماء في يوم حار وبالتالي «يزول» الثقب الأسود وتزول معه كل المعلومات بينما أن سوسكند يؤكد أن «الجزئيات» المتبخرة تحمل معها المعلومات ب«صورة مشوّشة». بتعبير آخر يرى المؤلف أن الثقوب السوداء ليست «ممحاة للمعلومات» ولكن «مصدر تشويش لها».
ومن الأفكار التي تتردد في هذا الكتاب مقولة أن عالمنا «ربما» أنه ليس سوى عالم من سلسلة غير متناهية من العوالم. مثل هذه المقولة جرى قولها وتكرارها منذ فترة طويلة ولكن المهم هو أن لا يحاول البشر فهم خصائص هذه العوالم، وهي «خصائص متفرّدة» على أساس ما يتصورونه هم واعتمادا على أحكام مسبقة. وقد يكونون نتيجة ذلك «ضحايا» لهذه الأحكام.
ولا يتردد المؤلف في القول أن الجيل القادم من الفيزيائيين وعلماء الفلك سوف «يتسلّون» باكتشاف «الصيغة الرياضية الصحيحة لعالم يقوم على التنوع». ذلك على خلفية قاعدة ثابتة مفادها أن الفيزياء قد انتهت تقريبا». المهم أن تستمر الأسئلة.
في هذا الكتاب الذي يعرف خلال أشهر قليلة طبعته الثالثة، يقدم الفيزيائي الأميركي ليونار سوسكند توصيفا كاملا للفرضيات الأخيرة المتعلقة بالثقوب السوداء ويقوم بالتعليق عليها. كذلك يتعرض بإسهاب لمفهوم «العوالم المتعددة» ول«نظرية الحبال». والمعلومات التي يقدمها تبدو هامة حتى بالنسبة لأولئك الذين يريدون فهم «عالم السياسة» عبر أدوات العلم.وكتاب «يبسّط» مفاهيم علمية أساسية.
المؤلف في سطور
يعمل ليونار سوسكند أستاذا للفيزياء النظرية بجامعة ستانفورد منذ عام 1978. وهو عضو في الأكاديمية الوطنية الأميركية للفنون والعلوم. حاز على جوائز علمية عديدة من بينها جائزة المعهد الأميركي للفيزياء عن مقالته كباحث علمي أميركي عن «الثقوب السوداء».قدّم كتابين شهيرين هما: «المشهد الكوني» و«نظرية الحبال».
الكتاب: حرب الثقوب السوداء
تأليف: ليونار سوسكند
الناشر: ليتل وبراون وشركاؤهم لندن 2009
الصفحات: 480 صفحة
القطع: المتوسط
The black holes war
Leonard Susskind
Little، Brown and company- London - 2009
480p.
