انتهت بطولة كأس العالم لكرة القدم في جنوب إفريقيا، وانتهت فترة استعراض الحدث «الإعلامي» الأكبر في العالم. ولكن لم تتوقف سلسلة الكتب والدراسات التي كرّسها أصحابها لهذه الظاهرة ومقدماتها وجذورها وتداعياتها ومدلولاتها، وجعلها «موضع التأمل والتفكير» بمسائل تتجاوز الحدث ذاته وتتجاوز «إمبراطورية كرة القدم» كلها.

ويحدد مؤلف كتاب «إمبراطورية كرة القدم»، لوران دوبوا، الأستاذ في جامعة «ديوك» الأميركية، القول أن «عالمية» ظاهرة كرة القدم وجذب الاهتمام إليها يعود بالدرجة الأولى إلى دلالتها عن «منافسة رمزية بين الأمم» من جهة، وإلى واقع أنها تعكس التاريخ الإمبريالي لدول الشمال القوية التي استعمرت بلدان الجنوب.

ومن خلال التاريخ الإمبريالي الفرنسي وعلاقة فرنسا بمستعمراتها وواقع وجود العديد من أبناء هذه المستعمرات السابقة في الفرق الوطنية الفرنسية المتعاقبة لكرة القدم، يقوم المؤلف بالبحث عما يسميه «كأس العالم ومستقبل فرنسا»، كما يقول العنوان الفرعي للكتاب.

ويفتتح المؤلف كتابه بنوع من الدعوة إلى «رحلة عبر فرنسا الاستعمارية». ولكن من زاوية خاصة تمثل في توصيف مغامرة الهجرة التي قام بها عامل البناء الجزائري إسماعيل زيدان من الجزائر إلى فرنسا ومعاناته الكبيرة من مختلف أشكال الفقر والاضطهاد. إسماعيل زيدان هذا ليس سوى والد لاعب كرة القدم الفرنسي الأكثر شهرة في العالم خلال العقدين الأخيرين، أي زين الدين زيدان.

من الملفت للانتباه أن الصفحات الأولى من الكتاب المكرّسة لقصة إسماعيل زيدان تقابلها صفحات في آخر الكتاب مكرّسة ل«ضربة الرأس» الشهيرة التي وجهها زين الدين زيدان للاعب الإيطالي ماركو ماتيرازي أثناء المباراة النهائية لبطولة كأس العالم لكرة القدم في ألمانيا خلال عام 2006.

ويشرح المؤلف مطوّلا العلاقة بين الإمبراطورية الفرنسية، وتاريخها الاستعماري، مع المناطق المحيطية السابقة التابعة لها، أي المستعمرات التي جرى «تصدير» لعبة كرة القدم إليها. أبناء تلك المستعمرات «تبنّوا» سريعا اللعبة. ومن خلالها قام جدل مزدوج. فمن جهة كانت كرة القدم وسيلة لإضفاء حالة من السلام عبر «التواصل في الملاعب» بين خصوم في الواقع العملي، ومن جهة أخرى كانت أرضا لممارسة «المنافسة» المشروعة بين المستعمِر والمستعمَر.

إن المؤلف، وبعد أن يرسم الإطار التاريخي والسياسي لمسار الإمبراطورية الفرنسية. يولي اهتماما خاصا للحديث عن لاعبين عملاقين في كرة القدم الفرنسية الحديثة هما زين الدين زيدان، ابن عامل البناء الجزائري المهاجر، وليليان تورام، ابن إحدى المقاطعات الفرنسية لما وراء البحار، أي الغوادلوب.

تورام، يتم تقديمه بصورة «البطل» و«مثقّف كرة القدم» و«الملتزم بقيم الجمهورية الفرنسية». كما يتم التأكيد أيضا على صفته كمناضل ضد العنصرية من أية جهة جاءت.

ويروي المؤلف عن تورام أنه في كل مرة وجهوا له السؤال عن أسباب عدم ترديده «المارسييز»، أي النشيد الوطني الفرنسي، عند مباريات فرنسا، التي يمثلها، مع بلدان أخرى، كان يجيب دائما أن المهم هو الإحساس بالإخلاص وليس إظهاره. وفي المحصلة يرسم لوران دوبوا ل«بطله» صورة «أحد أطفال الهجرة» والذي يتمتع بقدر كبير من الهدوء ولكن «الغضوب» إذا دعا الأمر. إنه باختصار «يستحق الإعجاب»، حسب تعبير المؤلف.

ويشير المؤلف إلى أن فريق فرنسا الوطني لكرة القدم الذي فاز بكأس العالم عام 1998 مثّل بالنسبة للبعض لحظة تأكّد فيها أنه يمكن التغلّب على مشاعر العنصرية التي تنتمي إلى الماضي. ذلك أن الفريق كان آنذاك تعبيرا عن التعددية الثقافية التي يتميّز بها المجتمع الفرنسي بوجود تورام وزيدان ومارسيل ديسايي وكريستيان كارامبو، وغيرهم من ذوي الأصول السمراء والسوداء الذين شكّلوا أحد أعظم فرق كرة القدم في العالم خلال العقود الأخيرة.

ويسوق لوران دوبوا العديد من الأمثلة عن مظاهر تقهقر المشاعر العنصرية آنذاك وحيث بدت فرنسا لفترة بلادا موحدة وسعيدة وزاخرة بالأمل. وأمة قادرة على كل شيء وحتى على تجاوز العنصرية المتجذرة في ماضيها الاستعماري».

بالمقابل يجد المؤلف الصورة المعاكسة والمناقضة لتلك الحالة فيما عرفه الفريق الوطني الفرنسي في بطولة كأس العالم لكرة القدم عام 2006 حيث كانت أغلبية لاعبيه من ذوي الأصول الإفريقية. وفي المباراة النهائية ارتكب زيدان ما يسميه المؤلف ب«فعل عنف غير مفهوم». إنه وضع بذلك لحلم فرنسا بالفوز. وكذلك لأفق النهاية السعيدة لمساره كلاعب محترف. وهو ابن المهاجر الذي كانت فرنسا قد رسمت صورته «ضوئيا» على قوس النصر عندما فاز فريقها بكأس العالم لكرة القدم عام 1998.

ومما يؤكده المؤلف هو أن الفرق الوطنية الفرنسية لكرة القدم ضمّت لاعبين من أصول إفريقية وشمال إفريقية منذ فترة طويلة. وكان في عداد لاعبيه بطولة كأس العالم عام 1938 اللاعب الأسود راوول ديانا. بالمقابل لم يضم الفريق الانجليزي أي «ملوّن» حتى عام 1978. تتم الإشارة في هذا السياق أن وجود لاعبين ذوي أصول «أجنبية» لم يثر أية تساؤلات سياسية قبل أطروحات اليمين المتطرف في سنوات التسعينات السابقة.

ومن خلال الحديث عن تورام وزيدان يلقي المؤلف الضوء على الإرث الإمبراطوري الذي لا تزال آثاره موجودة ويؤكد على «قوة» كرة القدم في تغيير المفاهيم.

المؤلف في سطور

لوران دوبوا، مؤلف هذا الكتاب، هو أستاذ الأدب الفرنسي في جامعة «ديوك» الأميركية. من كتبه «أصحاب الثأر في العالم الجديد: تاريخ الثورة الهاييتية».

الكتاب: إمبراطورية كرة القدم، كأس العالم ومستقبل فرنسا

تأليف: لوران دوبوا

الناشر: جامعة كاليفورنيا 2010

الصفحات: 352 صفحة

القطع: المتوسط

Soccer Empire, the world cup and the future of France

Laurent Dubois

California university press - 2010

252p.