ينطلق الكتاب في بحثه لهذه القضية من مرحلة بدء الدعوة إلى مشاركة المرأة في الحياة الاجتماعية والسياسية في أواخر القرنين ال19 وال20، حيث كانت أحوال المرأة في أوروبا تماثل (تقريبا) أحوالها في العالم العربي. إلا أنه ما ان انطلقت الدعوة في أوروبا، تصاعدت ونمت بوجهة كبيرة، فقد كانت أول مشاركة للمرأة في مجلس العموم البريطاني عام 1918م بامرأة واحدة، إلا أن وتيرتها ونسبتها زادت كثيرا بعدها. وكانت أول مشاركة للمرأة في مجلس الأمة المصري عام 1957م بسيدتين، ولكن تعمل الآن الإدارة السياسية في مصر على دفع بعض الأعداد الأخرى، لسد النسبة المتطلبة لتمثيل المرأة بالمجلس!
وبعد أن عرض الفقي بمدخل تاريخي لصورة مشاركة المرأة في صدر الإسلام، سواء في دورها للمبايعة أو في مجال الشورى، فضلا عن مشاركتها في الهجرتين (الهجرة إلى الحبشة، ثم الهجرة إلى المدينة)، أشار إلى دور المرأة السياسي في واقعنا المعاصر، وتوقف أمام دورها في الانتفاضة الفلسطينية.
اتبع المؤلف في كتابه منهج مقارن بين الآراء المختلفة، وتعدد وجهات النظر للقضية أو الرأي المطروح، ثم نجده يبدى رأيه الشخصي، مع تبرير وجهة نظره ورأيه الخاص، وهذا حقه الفكري الذي يبرره بالفكر والبحث. ولذا جاء الكتاب بعد التناول التاريخي، على شكل فصول كل فصل يتناول قضية ما، وفي داخل كل فصل (أو قضية)، مجموعة أبحاث لكل قضية.
ويتناول الفقي في الفصل الثالث «حكم تولي المرأة الوظائف العامة»، مبينا انه اختلفت الآراء في هذه المسألة، فمنهم من أجاز، ومنهم من أجاز بتحفظ ما (إلا لحاجة أو ضرورة)، ومنهم من أجاز مطلقا بشرط الالتزام بالضوابط الشرعية. وفي كل الأحوال، أورد المؤلف أقوال واستدلالات كل رأي وفنده بعد عرضه، وأبرز رأيه الشخصي المتمثل بأن خروج المرأة للعمل، جائز شرعا، ولكنه وضع لذلك شروطا أربعة، وهى: أولا: أن يكون العمل مشروعا، سواء كان محرما على الرجل والمرأة معا، مثل تقديم الخمور، أو محرما على المرأة وحدها لسد الذرائع، مثل الخادمة في بيت أعزب وغيرها.
وثانيا: أن تلتزم المرأة بأدب المرأة المسلمة، سواء في ملبسها المحتشم أو سلوكها العام وتعاملها مع الآخرين أثناء العمل. وثالثا: أن لا يكون عمل المرأة على حساب واجبات أخرى، مثل واجباتها تجاه زوجها وأولادها، لذا ألزم الفقهاء رضا الزوج على عمل زوجته. ورابعا: أن يكون عمل المرأة متفقا مع معالم شخصية المرأة، فمهنة البحث عن البترول مثلا لا تتناسب مع طبيعة المرأة، من حيث المشقة والغياب لفترات طويلة عن المنزل.
وعاد الفقي ليلفت إلى أن عمل المرأة قد يكون واجبا أو مستحبا أو مباحا أو مكروها، وهو ما يتبينه في ضوء جملة اعتبارات وأحكام وحالات، في مقدمها:أنه يصير عمل المرأة مستحبا أو واجبا بعد جواز تولي المرأة الوظائف، ويصبح واجبا في حالات عدة، منها مساعدة المرأة لزوجها أو أبيها لضيق ذات اليد أو لكونها أرملة في حاجة إلى إعالة أولادها. وثانيا: يصير عمل المرأة حراما، إذا لم تلتزم بالشروط الشرعية العامة في ملبسها وتعاملها أثناء العمل، أو عملت في وظيفة محرمة، أو بسبب عملها أهملت واجباتها الأساسية لزوجها وأولادها وبيتها.
وقد ناقش المؤلف في المنهج نفسه، ممارسة المرأة العمل في القضاء، ويرى بعد عرض مجمل الآراء، ضرورة الأخذ برؤى المجيزين بأن تتولى المرأة وظيفة القضاء مطلقا، وهو ما قال به البعض، مثل الطبري وابن حزم.
ولعل المؤلف في مجمل بحثه، يميل إلى أن تتولى المرأة العمل في عضوية المجالس النيابية والحقيبة الوزارية والمشاركة في الانتخابات العامة.وأما بشأن أحكام تولي المرأة الإمامة العظمى، ورئاسة الدولة، فقد رجح رأي اتفاق العلم على حرمة تولية المرأة في هذا الشأن. وانتهى الفقي إلى مجموعة الآراء التي تقول بعدم تولي المرأة لرئاسة الدولة أو الإمامة العظمى.
ويتضح من القراءة المتأملة لمنهج المؤلف، حرصه على الموضوعية والحيادية في عرض مجمل الآراء، ثم مناقشتها وتفنيدها، ومن ثم إصدار الحكم عليها أو على المسألة المعروضة.
السيد نجم
المؤلف في سطور
ولد محمد عبد المجيد الفقي في عام 1955م، في مدينة المحلة بمصر. درس في مدارس الأزهر، ثم تخرج من جامعتها متفقها في الفقه والشريعة. وهو يتميز بالكتابة المنهجية في مناقشة القضايا الحياتية للناس. وهو يشارك في الحياة الثقافية والسياسية من مدخل الرؤية الدينية المعتدلة، والمعتمدة على أسانيد القرآن الكريم والسنة. لديه مجموعة مؤلفات، منها: «المرأة من السياسة إلى الرئاسة».
الكتاب: المرأة من السياسة إلى الرئاسة
تأليف: محمد عبد المجيد الفقي
الناشر: سلسلة «العلوم الاجتماعية» هيئة قصور الثقافة 2010
الصفحات: 180 صفحة
القطع: الكبير

