كثيرا ما نحاول كمتخصصين في قراءتنا ومتابعتنا لواقع ودور الفيلم السينمائي ومجمل تأثيراته،الوصول إلى مفهوم يسعفنا في فهم حقيقة ملموسة لوظيفته في المجتمعات الإنسانية عامة، والغربية منها على وجه الخصوص، وذلك مقارنة بوظيفته في مجتمعاتنا العربية..ومع هذا الجهد والتوجه نجد أنه تقفز أمامنا وبشكل دائم، تساؤلات عدة نتمسك بالبحث فيها رغبة في العثور على إجابة وافية تعيننا على إدراك فهم معمق لماهية هذه الوظيفة، من خلال جملة تقييمات مشتركة ونتائج واقعية فاعلة. فما هي إذن طبيعة وحيثيات هذه الوظيفة الاجتماعية للفيلم السينمائي في مجتمعاتنا العربية؟

لا بد في هذا الصدد، من أن نبدأ بالتساؤل حول إذا ما كان الفيلم السينمائي يعبر في حقيقة الأمر عن صورة ما من صور المجتمع. وهل أنه يمثل فعليا مجموعة من الصور التي تحافظ بشكل أو بآخر على مستوى معين قد يتغير من حين لآخر، طبقا لمقاييس المصداقية والموضوعية في نقلها لأوجه متعددة ومتنوعة من واقع الحياة، وبالتالي تكون ناقلة لبعض الأوجه الاجتماعية الحقيقية ؟ وكذلك إذا كان الفيلم السينمائي في بنائه الفني ضمن معطيات وإمكانات التأثير التقني وعالمها الصوري المتطور دائما، يعد عالما مختلفا عن مصدر مواضيع الفيلم وقضاياه التي يعالجها والمشكلة لأرضيته ومصادره الواقعية؟ وأهناك ثمة فوارق تشكل فاصلا حقيقيا بين شخصيات الفيلم السينمائي وبين نسيجها وطبيعتها وانتمائها الحقيقي لمجتمع من المجتمعات ؟

نموذج ومدارس

هذه التساؤلات وغيرها، تدفعنا حقيقة للتفتيش والبحث في تجارب الغرب ومدارسه في هذه الصناعة التي باتت تشكل علامة بارزة في صياغة ثقافة الشعوب وانعكاساتها، ولا مناص في هذا السياق من أن نتصدى للتجارب الأوروبية والأميركية بكونها علامة فارقة في مسار السينما في العالم، حيث يوجد أكثر من وشيجة في باب نشوء المدارس والاتجاهات، ونذكر منها الطبيعية في ألمانيا والواقعية في ايطاليا والواقعية الاشتراكية في الاتحاد السوفيتي السابق، والواقعية الجديدة في فرنسا. ومن هنا نجد أن السينما الأوربية قد واكبت تحولات الفكر الأوروبي في تجلياته وأزماته، إذ تلا الحرب العالمية الأولي ظهور الصوت السينمائي وبواكير قراءة الرواية عبر الشاشة، من خلال إعداد عدد من أعمال النصوص الإبداعية وتحويلها إلى أفلام ظلت علامة بارزة وأرقاما صعبة لا يمكن تجاوزها في قراءة التاريخ السينمائي في العالم.

مدارس الجمال الفيلمي

تجسدت نقطة التحول الأهم في هذا الشأن، والتي لا يختلف عليها اثنان، في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية التي جاءت بموجات مختلفة ومتنوعة عديدة، منها: الدادائية والطليعية والشعرية. وكما اشرنا فهي قد جاءت بالواقعيات المتشظية بفعل ذاك الواقع الأوروبي الغربي الذي أنجب جيلاً مهمشاً فقد ثقته بالسلطة والذات والمجتمع والقيمة الأخلاقية، واوجد لنفسه مجالا خاصا لقيمه يجري فيه ويحقق عبره المتعة لنفسه، ولكنها مجردة من اللذة في الفن، وحتى تجريد الفن السينمائي واعتباره نوعا من اللعب والتعبير عن النوازع النفسية ليس إلا أن السينما المأخوذة بأزمات الفكر الإنساني وأزمات المجتمع، هي هذه السينما الأوربية بتنوع اتجاهاتها وتجاربها التي عكست أزمة الإنسان المعاصر، وهو الملاحق بأمواج ما بعد الحداثة وبصعود الرأسمالية في العالم.

كانت الموجات التي قدمتها السينما في هذا المجال مواكبة لهذا الفكر المأزوم وتحولاته، التحولات التي تقدم واقعاً فصامياً في بعض الأحيان كما هي في تجارب الموجة الجديدة في السينما الفرنسية: تروفو،جودار،الان رينيه. هذه الذات المأزومة الملاحقة بقلقها الذاتي ما لبثت أن وجدت خلاصها في شتي نزعات المجتمع المعاصر وإشكالياته. ولهذا ذهبت هذه السينما بعيداً باتجاه التماهي والاندماج مع الاتجاهات الفكرية الطليعية، وظهر نقاد ودارسون دمجوا دراسة الفيلم بدراسة الأدب واللغة وحلت ( لسانيات السينما ) فرعاً جديداً في مثل هذه الدراسات وجاءت التفكيكية والبنيوية وثقلها لتدخل في تحليل البناء الفيلمي كما هي في دراسات كريستيان متيز بشكل خاص. ويضاف إلي هذا كله ما شهدناه في تأسيس (انطباعية) سينمائية اقرب إلى انطباعية فن الرسم، كما هي في تجارب وأفكار وتنظيرات رودولف ارنهايم في ألمانيا فهذا العقل المبدع المجدد الذي انطلق من قراءة الفن التشكيلي ودرسه، فانه في الوقت نفسه أسس لمفهوم مواز هو إدماج الانطباعية في الأدب واللغة والفكر والفن، بانطباعية أخرى موازية هي الانطباعية المقترنة بفن الفيلم، وبذلك كانت السينما الأوروبية في وجه من الوجوه هي الأكثر اندفاعاً في ترسيخ مكانة الفيلم الفكرية والجمالية، وتراكمت القراءات النظرية لفن الفيلم ولم تعد هنالك فاصلة كبيرة بين الفيلم والنظرية. لذلك نجد أن السينما الأوروبية مع هذه الألفية، ما زالت تحاول أن تؤسس للمزيد من التأطير الجمالي في الشكل والمضمون.

الجمهور بين الغرب وأميركا

إذا كانت هذه السينما لا تملك ذلك الجمهور العريض الذي تملكه السينما الأميركية، فإنها تحاول جاهدة وبشكل حثيث أن تصنع جمالياتها الخاصة. والفيلم الأميركي بالرغم من كونه مادة نظرية وأكاديمية تدرس في الجامعات والمعاهد الأميركية والعربية، إلا أن هذه الألفية غير معنية بشيء سوى مضيّها في الانتشار الجماهيري الواسع، لكن هذا المشهد لا يبدو مكتملاً كلياً.. إلا من خلال إدخال العناصر التقنية المؤثرة بشكل كبير في خلق عناصر الإبهار البصري لعين وعقل المشاهد، وبالتالي في تأثيرات صورية لا تتكامل مع التأثيرات الروحية والثقافية بشكل عام. لذا فإنها تبقى صورة موازية لتلك الجدلية التقليدية بين السينما الأوروبية والأميركية، وهي كثافة تعبيرية لافتة أكدت تلك العلاقات بين الفيلم والوعي الاجتماعي للوسيط المتلقي، وتأثيره في ما بعد مرحلة الاستيعاب والتفسير والفيلم والايدولوجيا والفيلم والجمال في أوجهه المتنوعة.

هكذا يبقى التساؤل الأساس والمحوري، ملحا ومعلقا، نحتاج إلى تكرار البحث والنظر في إجاباته، ومفاده :ما هي وظيفة الفيلم السينمائي في المجتمع العربي، ومتى ستتشكل ملامح تجارب سينمائية خالصة ؟

علاء مكي الشمري