تعود جذور أدب الحداثة في أوروبا إلى عصر التنوير في القرن الثامن عشر، ليصل إلى أوجه خلال الفترة ما بين 1900 ومنتصف 1920، وقد برز هذا المفهوم نتيجة تغير وتسارع إيقاع الحياة وتطور الصناعة وهيمنتها على الاقتصاد، حيث بات من الصعب على الإنسان استيعاب التطورات السريعة التي يشهدها خلال زمن متسارع باطراد.
ومع هذا التطور برزت أصوات أدبية تنادي بمفهوم أدب جديد، يعبر عن زمنهم المعاصر ويعكس إشكاليات الإنسان الجديدة، من علاقته بالآلة إلى محاولة استيعابه تحولات المجتمع السريعة التي جنحت إلى المفهوم المادي للحياة.
السمات العامة لهذا الأدب تتمثل في اقترابه من روح الإنسان، وتفاصيل حياته اليومية ومعاناته الداخلية غير المعلنة، وكسره للزمن التقليدي المرتبط بالتسلسل التاريخي لصالح لحظة زمنية، وكذلك الأمر مع حبكة العمل التي إما غابت أو خرجت عن الإطار التقليدي للمقدمة فالحبكة والنهاية، وتداعي الوعي والمونولوج الداخلي.
منارة فيرجينيا
ومن أبرز الكتاب الذين ارتبط اسمهم بتأسيس الأدب الحديث، الأديبة البريطانية فيرجينيا وولف التي تعتبر إلى جانب الكاتب الايرلندي جيمس جويس (1882 ـ 1941) من رواد ومؤسسي هذا الفن على صعيد الرواية والقصة القصيرة، إلى جانب تمثيلها مرحلة تاريخية مهمة اندمج خلالها الفن بالمجتمع.
تميزت فيرجينيا وولف على زملائها في تيار فن الحداثة، بتنوع أسلوبها الفني، فكانت تقدم من خلال كل رواية لها أسلوباً وتقنية جديدة. وكانت تسعى مع ابتكار كل أسلوب جديد إلى إيجاد صياغة بديلة وتقول في هذا الإطار (إن أراد الكاتب أن يكون لعمله قيمة، عليه ألاّ يتخل عن أسلوب دون ابتكار بديل له). وفي هذا الإطار قال الشاعر البريطاني الأصل الأميركي الجنسية (1888 ؟ 1965) تي إس إليوت في خطاب نعيه لها، (لو لم تكن فيرجينيا وولف في المركز، لبقي كل شيء بلا صيغة وعلى الهامش .. ومع موتها، انكسر نمط كامل من الثقافة). ولم تُدرك قيمة أعمالها وتقدر إلا بعد مرور عقود على وفاتها. وقد قُدمت ولا تزال العديد من الأطروحات ورسائل الدكتوراه في أدبها الذي يجمع بين غموض النفس البشرية والتعمق في النفس البشرية، وإبراز الجانب الروحي من العالم والتركيز على عوالم الإنسان العادي غير المرئي في مفاهيم العصور الحديثة.
لم تكن حياة أدلين فيرجينيا ستيفن التي ولدت في 25 يناير عام 1882 سهلة، حيث واجهت ما بين الثالثة عشر والسادسة والعشرين وفاة والدتها أولا ثم أختها نصف الشقيقة ووالدها وأخيها. وتسببت لها كل وفاة بحالة انهيار عصبي، وكان في كل مرة يضعفها أكثر. وعلى الرغم من متاعبها الصحية التي كانت فترة النقاهة منها تستغرق زمناً طويلا، كانت غزيرة الإنتاج وتمضي ساعات طويلة من النهار في الكتابة. وقد وثقت فيرجينيا مشاعرها في دفاتر مذكراتها والرسائل والمقالات وحتى رواياتها التي كان جانب منها مستمد من سيرتها الذاتية. وكانت تصف أعمالها في بعض الأحيان بقولها (أدب خيال فرويدي)، على الرغم من قولها إنها لا تعرف عنه شيئا. ويعتقد بعض الأكاديميين أنها كانت تعتمد على الكتابة كوسيلة للعلاج والشفاء حيث كانت الحياة الحقيقية كما تقول ترعبها.
فيرجينيا وأدب القصة
اقترن اسم فيرجينيا بجويس عند النقاد الدارسين للأدب الحديث، حيث اعترض كلاهما على طرق السرد التقليدية في زمنهما، ودخلا في تجربة تيار الوعي والحوار أو المونولوج الداخلي، غير أنه يحسب لفرجينيا أنها أول من قدمت في القصة القصيرة تجربة (كينونة اللحظة)، حيث تجتمع في لحظة من الزمن أو ومضة داخلية مجموعة مكثفة من الأحاسيس والأفكار والأحداث.
وقد أجمع النقاد أن فيرجينيا استطاعت أن توسع حدود الزمن في القصة القصيرة بالإضافة إلى مفهوم الإدراك الوعي. واعتبروا ما حققته إضافة حقيقية في إطار تطوير أدب القصة القصيرة. ويرد اسم جويس كثيراً في مقالاتها ودفتر يومياتها، وكانت انتقاداتها تتراوح بين الإعجاب بعبقريته ولغته وبين مآخذها على بعض الجوانب التي تربك التفكير. ويذكر أن كلا الأديبين ولدا وتوفيا بالعام نفسه. وفي قصتها (حدائق كيو) التي نشرت عام 1919، تتحدث عن أفكار بعض المتنزهين الذي يمرون أمام أحد أحواض الزهور، والذين تختلف أفكارهم باختلاف الزهور وألوانها، ومع مرور المتنزه الأخير في القصة تنتقل فيرجينيا في السرد إلى غياب المتنزهين في ألوان الحديقة وتلاشيهم في المحيط، مع التألق الحاد لقبة الحديقة الزجاجية وأزيز الأصوات في السماء الصيفية..، وهكذا تستمر في الوصف حتى تصل أجواء المدينة.
مع بروست
بدأت فيرجينيا بقراءة أعمال الروائي الفرنسي مارسيل بروست (1871 ؟ 1922)، قبل وفاته بأربعة أشهر. وكانت تشعر بالرهبة والمهابة لدى قراءة أعماله، وتكرر ظهور اسمه في مذكراتها اليومية، إما من خلال حوار حوله مع الأصدقاء أو من خلال ردة فعلها على ما قرأته له، كما تأثرت آلية تفكيرها وكتاباتها بما قرأته له.
في عام 1923 بدأت بقراءة الجزء الثاني من روايته (بحثاً عن الزمن الضائع)، وكتبت في مذكراتها قائلة (لا يملك المرء إلا أن يستفيد)، لتضيف لاحقاً (مما لا شك فيه أن بإمكان بروست قول ما أعنيه. ويوحي بأن الكتابة الجيدة تبدو سهلة كأنما ينزلق المرء على زلاجات ليست له. وفي العام التالي قالت (قراءة بروست تجعلني أشعر بأني حرة وباستطاعتي الهروب، مقارنة بلورنس الذي أشعر معه بأني محتجزة).
هاجس الكتابة
كانت الحياة ضيف ثقيل على فيرجينيا خاصة مع اعتلال مزاجها ونوبات الاكتئاب الحادة التي كانت تداهمها. ولم تستطع تجاوزها إلا من خلال الاستغراق في الكتابة.
لم تدرس فرجينيا وشقيقتها في المدارس الرسمية، بل تعلمتا على أيدي المدرسين الخصوصيين ومن ثم مكتبة والدها الضخمة التي ضمت الأدب الكلاسيكي. وقد بدأت بكتابة عروض الكتب لإحدى الصحف عام 1904.
بعد انتقالها مع أسرتها إلى منزلهم ببلومزبري عام 1906، نشأت صداقة بينها وبين أصدقاء أخيها ثوبي، وهم من الشباب المهتمين بالثقافة والفن. واتخذت لقاءاتهم الدورية في بيت الأسرة طابعا تقليديا، لمناقشة الأدب والشعر والفن والأفكار المعاصرة، وسرعان ما أطلق اسم (بلومزبري) على هذه المجموعة التي كان لها أثراً كبيراً في بلورة العديد من أفكار فرجينيا إلى جانب دفعها نحو الكتابة الأدبية. ونواة هذه ا لمجموعة هم كل من ليونارد وولف زوج فرجينيا لاحقا، وكليف بيل زوج شقيقتها فانيسا، وساكسون سيدني تيرنر وليتون ستراشي وماينارد كينز. وقد بدأت بكتابة أول رواية لها عام 1908 بعنوان (الرحلة إلى الخارج)، وانتهت منها عام 1913، بسبب تعرضها لحالة انهيار عصبي بعد زواجها بعام من ليونارد وولف صديق شقيقها، ولم تنشر إلا عام 1915، وكانت الرواية أقرب إلى الشكل التقليدي في البنية، كذلك الأمر مع روايتها الثانية (ليلاً ونهاراً) التي نشرت عام 1919.
وما ساعد فيرجينا على الإبداع وحرية الكتابة، هو دار النشر التي أسسها زوجها بمساعدتها، وكانت فكرة الدار قد بدأت بشراء ليونارد لآلة طباعة صغيرة عام 1917 بهدف الطباعة كهواية وفي الوقت نفسه كعلاج لفرجينيا. في تلك المرحلة كتبت ونشرت مجموعة من القصص القصيرة التجريبية، منها (علامة على الحائط) و(حدائق كيو). وتابع الزوجان عملهما على الطباعة اليدوية التي تحولت إلى عمل مهني لهما عام 1922. وأصدرت أول مجموعة قصصية لها (الإثنين أو الثلاثاء) عام 1921، لتنتقل بعدها إلى الرواية التجريبية (غرفة يعقوب) التي نشرت عام 1922. وفي عام 1925 نشرت روايتها (السيدة دالاوي) التي توجت إبداعها إلى جانب رواية (إلى المنارة) عام 1927، و(الأمواج) عام 1931. انتقلت بعدها إلى أدب السيرة لتقدم بعد صداقتها مع الشاعرة الأميركية فيتا ساكفيل ؟ ويست، كتاب (أورلاندو) عام 1928
المشهد الأخير
يسبق مشهد الفصل الأخير من حياة فيرجينيا وقبل إسدال الستار للمرة الأخيرة على حياتها، مشاهد ساهمت في دفع فيرجينيا إلى وضع خاتمة حياتها. والمشاهد قبل الأخيرة، تبدأ مع تفرق أعضاء مجموعة (بلومزبري)، وحزن فيرجينا بعد وفاة كل من ليتون ستارشي عام 1932 وانتحار شريكته دورا كارنغتون بعده بزمن قصير، ثم روجر فراي عام 1934، الذي كتبت سيرته الذاتية عام 1940. مع وفاة أصدقائها الواحد تلو الآخر، شعرت بأن دائرة حياتها تتقوض، وفي عام 1941 أصيبت بانهيار عصبي حاد. ومن العوامل التي ساهمت في هذا الانهيار حالة الإجهاد التي عاشتها خلال انجازها لروايته (بين الفعلين)، خاصة وأنها لم تصدق مديح الناشر لعملها وقناعتها بأنها فقدت لمعية إبداعها. وكتبت في رسالتها إلى زوجها قبل انتحاره 28 مارس 1941، (يتملكني شعور قوي بأني سأعود إلى حالة الجنون مرة أخرى. وأعتقد بأننا لن نستطيع مواجهة تلك الأوقات العصيبة مجدداً. كما أني لن أشفى هذه المرة. بدأت أسمع أصواتاً ولا أستطيع التركيز).
وهكذا فارقت فيرجينيا الحياة بعدما دخلت نهر أوس المجاور لبيتها، وجيوبها ملأى بالحجارة.
وولف في سطور
* ولدت أدلين فيرجينيا ستيفن عام 1882 في بريطانيا
* أصيبت فيرجينيا حينما كانت في الثالثة عشرة من عمرها بانهيار عصبي إثر وفاة والدتها
* بعد وفاة والدها عام 1904 انتقلت فيرجينيا مع أخويها وأختها إلى بيت بلومبزبيري، وشكلوا مجموعة بلومبزبيري الأدبية.
* نشرت روايتها الأولى «رحلة إلى الخارج» عام 1915
* أهم رواياتها «ليل ونهار» ونشرت عام 1919 و»الاثنين أو الثلاثاء» عام 1921 و»غرفة يعقوب» عام 1922 و»السيدة دالاوي» عام 1925 و»نحو المنارة» عام 1927 و»الأمواج» عام 1931، إلى جانب مقالاتها وقصصها القصيرة.
* انتحرت في 28 مارس عام 1941 بإغراق نفسها في النهر
رشا المالح

