لا تبعد مدينة أصيلة في المملكة المغربية، سوى أربعين كيلومتراً عن المدينة الدولية طنجة. تجذبك في هذه المدينة أبواب بيوتها الزرق وجدرانها البيض، حيث يأتلف اللونان تماماً كما تطرز النجوم رقعة سماء رمادية. السماء لم تمر بعد على سطوح منازلها، ذلك لأن قرص الشمس يتألق فيها كعلامة من علامات الوجود، كبصمات الأقدام أو دم الرسامين الأزرق الذي ينقش الجدران.
رسّامون لا يحملون سوى أسماء ألوان الطيف الشمسي. إنهم يتسلقون الجدران، قاماتهم بارتفاع الجدران الشاهقة.. منهم من يستخدم السلالم الخشبية، ومنهم من لم يعد يرسم على الجدران بل ينفث أصباغه في الفضاء، فيختار رقعة خالية يؤطرها بخشب الصاج الصقيل، ويبدأ برسم مشهد لطفل يعبث بالفرشاة أو فلاح يعتمر قبعة من القشّ، حاملاً التين البري على حماره الهرم.
إن نساء أصيلة لا يختبئن وراء سجون من الوشاحات، الستائر المخملية تسيّج خجل نظرات المرأة. في نظراتهن المتشابكة تنكشف خطوط اليد المنقطة بالحناء والرموز البعيدة في اكتشاف المدينة. تلك هي المدينة، يد تطرز بالحناء وقت العرس الأيام الغابرة، وسيارة مغطاة بالشرائط الملونة تدخل أسوار المدينة العتيقة كما كانت تفعل العربات حين كانت تدخل أيام انتصار المغاربة على الغزاة النورمانديين، نفوس تنام داخل الأسوار وتحلم بالبحر، وأطفال أصيلة لا يهابون سعالي البحر مهما تزايدت تحذيرات الجدات.. الخرفات.
إنها أصيلة، المدينة ذات الأسوار الشاهقة من الحجارة، تطير على رأس جرف خارج كنتوء من البحر المحيط. حدائقها مهد للحنطة والشعير. ماؤها يستخرجه الأهالي من الآبار. حين ينظرون في قاع البئر لا يرون صورهم بل صور المدينة وتاريخها. أليس الماء يختزن الذاكرة؟ أليست الذاكرة تختزن الآبار؟ وديانها شاسعة تحمل المراكب لتقذف بها في أمواج البحر.
تاريخ في الحياة اليومية
لم ينم الجغرافيون بعيداً عن هموم المدين. حاروا في تسميتها: أصيلة أو أزيلة؟ كما هو عند بطليموس. اليونان سموها باسم زيليس، والحسن بن محمد الوزان أطلق عليها اسم أرزيلا، «زيليس» في عيون الفينيقيين «أرثيلا» في مسمع الأسبان و«أصيلة» كما يلفظها العرب.. هي أسماء تعاقبت على مدى أكثر من 3600 عام.
وفي جعبة الرحالة ومذكراتهم التي نقشوها بالإبر على صفحات الجلود أو بالحناء على كهوف العرائس، نعثر في هذه الجلود أو خطوط الأكف على سطور تحمل غبار التاريخ. مدينة كبيرة بناها الرومان على المحيط الأطلسي على مسافة 70 ميلًا من مضيق جبل طارق. وفتحها المسلمون في سنة 94 هجرية، 713 ميلادية، وبعد قرنين من الزمن، دهمها الأسطول الإنجليزي ونهبها، لكن المسلمين استرجعوها وعادت إلى حالتها، بل وأفضل من ما كانت عليه.
ثمة أقوام حلموا ذات مرة بأصيلة فأعدوا لغزوها الأساطيل والمراكب والرجال المغامرين، وفي ذلك كان يداعب مخيلتهم منظر الكنوز المطمورة في أرضها. ابتلعوا هيجان البحر. ساروا على جسر من حجر وربطوا سفنهم بمرفأ من رمال رخوة. عندما قصدوا أصيلة ادّعوا بأن لهم أموالاً وكنوزاً فيها، خرج لهم السكان لقتالهم فصرخ النورمانديون في وجوههم: «إننا لم نأت للحرب، وإنما لنا كنوز في هذا الموضع»، وأقنعوا السكان بمشاطرتهم هذه الكنوز.
وبدأ النورمانديون بالحفر فاستخرجوا دخناً كثيفاً عفناً، ونظر السكان إلى صفرته فظنوه ذهباً فذهبوا إليه وهرب النورمانديون إلى مراكبهم، فأصاب السكان الدخن فندموا ورغّبوهم ثانية باستخراج المال، لكنهم أبوا ذلك وتهاوت بذور الثقة، إلا أنهم ساروا حينها إلى الأندلس وخرجوا بأشبيلية في أيام عبد الرحمن ابن الحكم.
مدينتان
من يزر أصيلة.. ير مدينتين: واحدة تحتضنها أسوار عتيقة، شاهقة، تصدر أصوات تشبه صرير عجلات الحروب وقت التصاق الرياح العاتية بها، لا تغلق بواباتها الخشبية عند مغيب الشمس، بل تجعلها تسترخي بمزاليجها المعدنية الصدئة. ومدينة أخرى تنبسط خارج الأسوار العتيقة، تبتلع المساحات الشاسعة المجاورة وتلتهم الأرض الخضراء. لكنها لا تستطيع أن تعيش لوحدها بل تتنفس، على الدوام، غبار الأسوار القديمة. هذه المدينة، لها حنين لامتلاك مثل تلك الأسوار العتيقة لكن العمال الذين يشيدون مثل تلك الأسوار قد ماتوا منذ زمن، والعمال الحاليون لا يعبؤون بتشييد مثل هذه الأسوار. الأسوار كالأهرامات لا تبنى إلاّ بوجود أوامر الملك وإرادة العمال المتطوعين. أولئك ليسوا عمالًا بل محاربين يشيدون هذه الأسوار لكي يحتموا بها.. كصانعي الدروع الذين يخافون على صدورهم من النبال والرماح، أولئك العمال ماتوا منذ زمن بعيد وتحولوا إلى نقاط من الفضة في كتاب المدينة. هذا الكتاب لم يتصفحه أحد منذ مئات السنين، فبقي سجين صفحاته الملتصقة بدماء العمال أنفسهم، الذين شيدوا أسوار المدينة. آنذاك كانت الأسوار تقاس بقامات الرجال. قاماتهم المديدة قياسات مألوفة. تذكر الرسائل أن أولئك العمال بنوا أجسادهم من ذات الحجر الذي شيدوا به تلك الأسوار. مدينتان، واحدة تحن إلى الأخرى.. ولا ترغب أن تصبح مثلها.
سحر أصيلة يكمن في تلك الأبدية البسيطة المحبوكة بإتقان مع حياتها اليومية، ففي فسحة صباح واحد يمكنك مشاهدة الرعاة يسلخون جلود النعاج والدباغين ينقعون هذه الجلود، ومن ثم التجار يعرضونها للبيع والحرفيين يحولونها سلعاً جلدية رائعة! سحرها يبقى أيضاً، في دورة حياتها الدائمة التجدد. أحياناً تلعب الريح، في شوارع المدينة المظلمة والمقفرة من كل عابر إلا من امرأة عجوز يلف جسدها جلباب قاتم وتحمل كومة من الخيوط، أو شيخ يحني ظهره يبحث عن كسرة خبز، أو صبي يجري، حاملاً باقة من النعناع. جميعهم يختالون في ضوء القمر بعناقه المدينة.
مقهى الصيادين
حين تصل إلى «مقهى الصيادين» في أصيلة، تجد المقاعد الخشبيّة الطويلة المفروشة بالقشّ الأصفر، خالية من الصيادين، لكنك ترى بعض خيوط شباكهم متناثرة هنا أو هناك، في هذه الزاوية أو تلك، أو تجدها معلقة بالسقف العشبي أو ترى هذه الأوصال تلتف على أصابع نادل المقهى، وأحياناً قد تجد بعض خيوط الشباك تعانق أوراق النعناع الأخضر في قيعان البحر.
المدينة القديمة
في المدينة القديمة، هناك دائماً ثمة جدار يجلس عنده رجال طاعنون في السنّ يتأملون أعمدة الدخان المتصاعدة من أفواههم. يرقبون الفتيان والصبايا يمرون من أمامهم بقاماتهم الرشيقة، ويتذكرون الزمن كأطياف عابرة. وهم يمررون ألسنتهم بين الفكاك الرخوة، الخالية من الأسنان، ليشعروك بالمسافات الشاسعة تمتد في أفواههم. في هذه المدينة الخادعة تكاد لا تجد الناس يعملون. لا تدري من أين تأتي الغلال والخضراوات كأنها هبة من هبات السماء. ترى الأهالي يقومون بأعمال بسيطة. في مدينة المصائر هذه، تسير الطقوس كما تسير الأنهار. لا أحد يستطيع أن يوقف تيارها!
شاكر نوري



