ترسم وانغاري ماتاييس، مؤسسة «حركة الحزام الأخضر» في إفريقيا والحائزة على جائزة نوبل للسلام عام 2004، في كتابها الذي يحمل عنوان «تحدي من أجل إفريقيا» صورة للتحديات الكبرى التي تواجهها القارة السمراء. كما تدعو بالوقت نفسه إلى «ثورة أخلاقية» لدى الأفارقة نفسهم والذين لا تتردد في توصيفهم بأنهم «مقتلعون من الجذور» ثقافيا، وبأنهم «تائهون» بين مختلف العوالم.
الفكرة الأولى التي تؤكد عليها مؤلفة هذا الكتاب هي أن القارة الإفريقية تواجه صعوبات كبيرة وخطيرة. والصورة التي ترسمها لها وسائل الإعلام هي لوحة يمتزج فيها الفقر واليأس والتبعية للخارج. إن المؤلفة لا تنكر وجود مثل هذه الحقائق لكنها تقدم أيضا رؤية مختلفة لإفريقيا وتحاول شرح الطبيعة المعقدة و«الديناميكية» للقارة وتقترح ما تسميه «خيارات واقعية في منظور التغيير وتحسين الأوضاع».
كما تشرح «حالة الاختناق» التي تواجهها التنمية في إفريقيا، وبالتالي ما ينبغي على الأفارقة أن «يفعلوه» وما «يستطيعون» فعله من أجلهم ومن أجل إفريقيا. وهي تؤكد، بما يشبه «النداء»، أن «مصير أرضهم هو اليوم بيد الأفارقة أكثر من أي يوم آخر».
تتوزع مواد هذا الكتاب بين 13 فصلا تبدأ بفصل عن «الأصول» وتنتهي بآخر يحمل عنوان «انهض وتقدّم». وتتحدث المؤلفة فيما بينهما عن «ثقافة الأرض وثقافة الذهن» وعن تجربتها ك«إفريقية في أميركا» و«امرأة مستقلة في كينيا مستقلة»، وفصول أخرى تتحدث عن «بذور التغيير» و«المعركة من أجل الديمقراطية» و«ركن الحرية الصغير» و«نوافذ السياسة تنفتح قليلا»، الخ.
وتشرح المؤلفة أنه بالاعتماد على تجربتها الخاصة لعقود طويلة في إفريقيا، كأكاديمية وكمناضلة في حياتها اليومية من أجل التأكيد على حقوق الإنسان وللمحافظة على البيئة، تولّتها القناعة الثابتة بضرورة القيام ب«مقاربة» شاملة» للمسائل المطروحة على القارة الإفريقية.
وتضيف أن مثل هذه المقاربة وضعتها ذات يوم أمام خيار صعب هو الاستمرار في البحث عن حلول أو التخلي. لكنها مالت نحو تحدي المواجهة ورغبت أن «يشاركها تجربتها» جميع أولئك الذين يرغبون، مثلها، رؤية إفريقيا أفضل. ذلك على قاعدة فهم الأسباب التي جعلت القارة بما هي عليه.وتؤكد المؤلفة أن «تجربتها» جعلتها تفهم واقع أن «القادة» الأفارقة هم الذين تخلّوا إلى درجة كبيرة عن آمال شعوبهم وعليهم بالتالي أن يتخذوا القرارات المناسبة لتغيير الأوضاع القائمة. وضمن مثل هذا السياق تؤكد المؤلفة على دور «الزعامة» في تحديد مستقبل إفريقيا.
وتشرح المؤلفة طويلا الأثر الكبير الذي لعبه افتقار إفريقيا لثقافة ذات أسس متينة في كبح تقدمها. وترى أن آثار الثقافة تنعكس في أنماط العيش ومختلف الممارسات الاجتماعية بل وفي رؤية البشر للعدالة وفي مختلف العناصر التي يطلقون عليها عامة تسمية «ثقافة الشعب».ويأتي أحد مصادر تأكيد المؤلفة على أهمية الثقافة بالنسبة للأفارقة من واقع أنه جرى دفعهم، بطريقة واعية، إلى التخلّي عن ثقافتهم الأصلية، بل والعمل على تدميرها، وبالمقابل تبني ثقافة أخرى كانت عامة هي ثقافة الغرب.
وعندما يفقد البشر الإحساس بتراثهم الثقافي «يفقدون توازنهم»، إلى هذه الدرجة أو تلك. وهذا ما عرفه الأفارقة تحديدا أثناء الحقبة الاستعمارية. وكانت درجة «الاغتراب» بفعل واقع أن الثقافات الإفريقية هي شفهية إلى حد كبير. وبسبب أنها «غير مكتوبة» كان من الصعب، بعد الاستقلال، العودة إلى الثقافات التي سبقته. وبهذا المعنى «ماتت» ثقافات إفريقية عديدة مع «موت الأجداد»، هذا خاصة أن قادة إفريقيا الجدد كانوا بالأحرى من ذوي «الثقافة الغربية».
وعلى خلفية الفارق بين ما هو شفهي وما هو مكتوب ترى المؤلفة أن شعوب شمال إفريقيا استطاعت «الخروج» بشكل أفضل من الإرث الاستعماري قياسا بشعوب إفريقيا جنوب الصحراء. أي ما يُعرف بإفريقيا السوداء. إن الشعوب ذات الثقافات المكتوبة غير المكتوبة. هذا رغم محاولة الاستعمار في الحالتين تدمير ثقافات الشعوب الواقعة تحت احتلاله.
وتؤكد المؤلفة أيضا على الدور السلبي الذي تلعبه وسائل الإعلام الغربية في تقديم إفريقيا للعالم وصولا إلى «تشويه» صورتها. وبعد أن تشير إلى أنه يوجد هناك «في الغرب» من يريد فهم إفريقيا حقيقة. ولكنهم قلّ ما يصلون إلى ذلك بسبب النظر إليها عبر وسائل إعلامهم.
ثم إن وسائل الإعلام الإفريقية لا تمتلك سبل الولوج إلى نظيراتها الغربية لتقديم رؤيتها الخاصة. هذا فضلا عن الكثير منها ذات «ولاء» غربي وبالتالي لا تقدم الصورة الحقيقية لإفريقيا.
هكذا مثلا عندما يتم تقديم مظهر ك«الفقر» لا يتم البحث في أصوله «البشرية» وفي مسؤولية القادة المحليين والمجموعة الدولية في ذلك. ومن الصعب على الأوروبي أن يفهم أن «حكومته» مسؤولة، بمعنى ما، وبدرجة ما، عن فقر إفريقيا.
ومسألة الديون، تشير المؤلفة أن القلائل فقط يعرفون أن إفريقيا دفعت قيمة ديونها الرئيسية عدة مرات. لكن الطريقة التي جرت على أساسها الديون تستدعي من إفريقيا دفعها على مدى عدة أجيال وحكم المؤلفة واضح وصريح حيال هذا الموضوع وهو أنه «ظالم» و«استغلالي». لكن هذا لا يمنع واقع أن أغلبية الغربيين يرددون أن الأفارقة قد استدانوا وهم يرفضون تسديد ديونهم.
ورغم الصورة التي ترسمها المؤلفة لإفريقيا، فإنها تُبدي تفاؤلها حيال هذه القارة. ذلك على قاعدة أن كل مشكلة لها حل، إذا كانت هناك إرادة التزام و«أعتقد أنه يمكن لإفريقيا أن تتغير»، كما تقول إحدى الجمل الأخيرة في الكتاب.
مسؤولية الأفارقة
لا تتردد المؤلفة في توجيه أشكال من النقد للقادة الأفارقة الذين تولوا تسيير الأمور في مختلف بلدان القارة بعد حصولها على الاستقلال السياسي. كما تحمّل الإرث الاستعماري مسؤولية كبيرة في كبح التنمية وولوج سبل التقدم.
لكنها تؤكد على أنه قد حان الوقت الذي ينبغي فيه على قادة إفريقيا تحميل المسؤولية كلها لإرث الاستعمار الذي ولّى وانقضى منذ عقود طويلة والقوى الاستعمارية ابتعدت عن القارة ومن الطبيعي أن يحصل الأفارقة على بعض ما كانوا ينتظرونه.
المؤلفة في سطور
وانغاري ماتاييس، مؤلفة هذا الكتاب، هي من مواليد بلدة «نييري» في كينيا عام 1940. مشهور عنها أنها مناضلة إفريقية من أجل حقوق المرأة ومن أجل السلام والمحافظة على البيئة. أسست في عام 1977 حركة «الحزام الأخضر» وكانت أول امرأة إفريقية تحصل على جائزة نوبل للسلام عام 2004 «من أجل مساهمتها لتشجيع التنمية المستدامة والديمقراطية والسلام».
الكتاب: تحدّي من أجل إفريقيا
تأليف: وانغاري ماتاييس
الناشر: ارّو بوكس - لندن 2010
الصفحات: 336 صفحة
القطع: المتوسط
The challenge for Africa
Wangari Maathaï's
Arrow Books - London 2010
p.336
