يتفق الجميع على أن الخبز الفرنسي هو أحد الأكثر شهرة في العالم. و«الهوى» الذي يشترك فيه الفرنسيون كلهم هو «تعلقهم» بالخبز. وكان المؤرخ والأستاذ الجامعي الأميركي ستيفن . ل. كابلان قد كرّس الكثير من اهتمامه وجهده لكتابة تاريخ الخبز في فرنسا خلال القرن الثامن عشر، وخاصة من زاوية الدور السياسي الذي لعبه خلال تلك الفترة.

ولكن المؤرخ الأستاذ أراد أن لا تبقى معلومات في حدود النظرية. ولذلك حرص على أن يتعلّم «تحضير الخبز» رغبة في معرفة «التاريخ الكامل» لهذه المهنة الفرنسية «بامتياز». وهكذا أصبح أحد أكثر الأخصائيين العالميين خبرة ومعرفة بالخبز المصنوع في المخابز الفرنسية. ولا شك أنه المؤرخ الأكبر للخبز الفرنسي في العالم اليوم.إن الخبز، كما يقدمه المؤلفان، ليس مجرد «منتج» غذائي ولكنه كان دائما عاملا هاما في البقاء عبر تأمين التغذية للملايين من البشر. وشكّل أيضا بالوقت نفسه «وعدا بالسلام» بين الذين يتقاسمونه. والخبز أيضا هو «عنصر تواصل اجتماعي» إذ يلتقي الناس حوله ابتداء من زراعة الحبوب وحتى صناعته للاستهلاك، وهكذا تكون له وظيفة في «العقد الاجتماعي» للمجتمعات المعنيّة فيه.

يتخذ هذا الكتاب بصفحاته الخمسمائة صيغة حوار بين المؤرخ والأستاذ الجامعي الأميركي والكاتب والباحث الفرنسي اللذين يحاولان رسم المسار الذي عرفه الخبز في «مغامرته» خلال عدة قرون من الزمن في فرنسا. ويتم هذا عبر عشرة فصول يتألف منها الكتاب. ويناقش كل منها أحد مظاهر دور الخبز في الحياة الاجتماعية. هذا ما يدل عليه عنوان فصل يدرس الانتقال «من الصيدلية إلى المخبزة، ومن الثقافة العلمية إلى الثقافة الشعبية»، وفصل آخر «الصيدلية وجهاز الشرطة» وآخر «حول عرق جبهته» أي الخبّاز، الخ.

ومن الأسئلة التي يتم طرحها في بداية الكتاب: ما هي الإشكالية الأكثر قدرة على تسهيل ولوجنا إلى مختلف ميادين الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسة والثقافية والبسيكولوجية والعقائدية أكثر من تلك المتعلقة بالخبز؟

ويشرح المؤلفان أن فرنسا ليست مجرد بلادا «آكلة للخبز» ولكنها أيضا وأساسا «مسكونة بتاريخ خبزها». ولا يتردد المؤلفان في القول إن الخبز «يختزن» جزءًا من هوية الفرنسيين. هذا في ظل محاولة المحافظة على «معادلة» تبنّتها المخبزة الفرنسية كشعار ومفادها: «نعم للحرية المعقولة ولا للبرالية الكاملة».

ويعود ستيفن ل. كابلان إلى تذكّر تلك المتعة التي عاشها في سنوات الستينات وهو «يقضم» قطعة خبز في حديقة اللوكسمبورغ الشهيرة في باريس. لقد كانت «نشوة» حقيقة كما يقول. ويضيف: «كان فمي يمتلئ بعذوبة أخّاذة بينما كانت حدقتا عينيّ تستيقظان. كنت أدرك أن شيئا هاما، بل أساسيا، هو بصدد أن يحدث لي. لقد كانت مغامرتي الفرنسية الأولى».

ويرى هذا الأخصائي الأميركي بتاريخ الخبز الفرنسي في القرن الثامن عشر، وبتدقيق أكبر بدورة القمح، الطحين، الخبز-، أن الخبز يشكل العنصر الأساسي في التغذية الفرنسية. ولكن له أيضا أسراره التي ينبغي البحث عنها. وعبر هذا البحث بالتحديد استطاع أن يكتب تاريخ فرنسا من خلال تطور تقنيات العجن والتخمير ودور الخبّاز في المجتمع وتجارة القمح وغيره من الحبوب. ولا يخفي المؤلف - المؤرخ تأثره الكبير بمدرسة «الحوليات» في كتابة التاريخ وخاصة بأعمال أحد روّادها فرنان بروديل.

هذه المدرسة لا تولي الأهمية الأولى للأشخاص ولكن للسياق الاجتماعي والاقتصادي والثقافي والسياسي الذي أنتج تلك الأحداث.إن حوارات هذا الكتاب تنقل القارئ من فرنسا، ما قبل الثورة، إلى فرنسا الحديثة وفرنسا المعاصرة. وتحظى واقعة التسمم التي عرفتها بلدة «بون سانت ايسبري» عام 1951 باهتمام مؤلفي الكتاب. وقد جرت عملية التسمم ب«الخبز المشؤوم» ربما بسبب خلط عجينة الشوفان بالطحين المستخدم في تحضير الخبز.

بكل الحالات كانت النتيجة هي انتشار «حالة من الرعب تشابه تلك التي كانت قد عرفتها القرون الوسطى. هذا في قلب القرن الحادي والعشرين». وإذا كان المؤلف يتحدث طويلا عن تجربة الحاضر القريب. فإن أحد المفاصل الأساسية التي يتم التركيز عليها يتمثل في فترة نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر. ويتم التأكيد على أهمية القمح في ظل «النظام القديم»، ما قبل الثورة الفرنسية، من أجل فهم حالة المجتمع الفرنسي.

وهذا ما وجد صداه في النقاشات التي جرت حول مسألة «تحرير» أسعار تجارة الحبوب. بل ويرى ستيفن كابلان، أن «مدخل الخبز» قد يقدّم المساهمة الأفضل من أجل فهم مقدمات الثورة الفرنسية الكبرى عام 1789.ويتم التعرّض في سياق البحث بتاريخ فرنسا «عبر الخبز» إلى الدور الذي لعبته الدولة.

ويشار في هذا السياق إلى القرار الذي كان قد اتخذه جان بيير رافاران باعتباره كان وزيرا للشركات المتوسطة والصغيرة خلال سنوات 1995-1997 (أصبح رئيسا لوزراء فرنسا لاحقا). وقد كان وراء القرار الخاص بحصر «تسميته المخبزة للمؤسسة التي يديرها صاحب حرفة الخباز والذي يقوم هو نفسه شخصيا بتنفيذ جميع مراحل تصنيع الخبز».

تتم الإشارة هنا إلى أن دور الدولة كان في الواقع أقل من دور «جيل من أصحاب المخابز» شرعوا بتقديم جهود سمحت بعودة «الخبز الجيّد». ويتحدث ستيفن ل. كابلان في هذا الإطار عن بعض «الأبطال» الذين استطاعوا أحيانا النجاح بالجمع بين «التقليد والحداثة» في إنتاج بعض أنواع الخبز.

وفي خاتمة الكتاب ينتهي ستيفن ل. كابلان إلى القول: «عبر الخبز تعلّمت أن أكون باحثا وأن أكون إنسانا».

هولدر وبوالان

نقل بعض صانعي الخبز في فرنسا تجارب بلدانهم الأصلية. إنه كتاب يقدم بعض الأمثلة التي ليس أقلها شهرة سلسلة مخابز «هولدر» التي أسسها ابن مهاجر بولندي - اوكراني وأصبح عدد العاملين فيها اليوم يفوق 4000 عاملا. وهناك تجربة «بوالان» التي أصبحت تدل عن «ماركة» للخبز وهي ليست في الأصل سوى نتاج عملية «تعميم» إنتاج نوع من الخبز نفّذها «جويل بوالان» حسب الطريقة والمعايير التي كان قد يطبقها جدّه قبل عقود في قريته الصغيرة لتصنيع الخبز.

المؤلفان في سطور

ستيفن ل. كابلان هو أستاذ في جامعة كورنيل بنيويورك، وفي جامعة «فرساي سان كوينتان» بفرنسا، ويلقي بانتظام المحاضرات في كلية العلوم السياسية ومدرسة المعلمين العليا بباريس.

قدّم العديد من الكتب في عدادها: «أفضل خبز في العالم. خبّازو باريس في القرن الثامن عشر» و«الخبز المشؤوم» و«عودة إلى فرنسا في السنوات المنسيّة 1945-1958».

وجان فيليب دوتوناك، هو كاتب وباحث. من بين كتبه «سيرة حياة رونيه دامال». وهو مدير «قاموس الخبز» حيث كان قد قام بدورة لنيل شهادة «خبّاز محترف».

الكتاب: فرنسا وخبزها قصة هوى

تأليف: ستيفن ل. كابلان، جان فيليب دو توناك

الناشر: البان ميشيل ـ باريس 2010

الصفحات: 500 صفحة

القطع: المتوسط

La France et son pain, histoire d'une passion

Steven L. Kaplan, Jean-Philippe De Tonnac

Albin Michel - Paris 2010

p.500