لا شك أن الولايات المتحدة الأميركية هي اليوم القوة الأهم في عالم اليوم. لكن «هل أميركا وحيدة»؟، يتساءل هيرفيه كوتو-بيغاري، الباحث الاستراتيجي الفرنسي المعروف، في عنوان كتابه الأخير.
ويؤكد في معرض إجابته، فكرة أساسية مفادها أن أحد الدعائم الأساسية في قوة الولايات المتحدة تتمثل في شبكة من التحالفات العسكرية التي أقامتها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية بحيث أنها تشكّل أحد مواطن قوتها ووسيلة أساسية في تثبيت نفوذها على الصعيد العالمي. ويشرح المؤلف على مدى الأقسام الأربعة التي يتألف منها الكتاب، الكيفية التي عملت فيها الولايات المتحدة خلال فترة الحرب الباردة من أجل المحافظة على شبكة تحالفاتها، ويحمل القسم الأول عنوان: «الموقف العام للولايات المتحدة حيال الأحلاف»، ويخص القسم الثاني: «شبكة التحالفات الأميركية» باستثناء الحلف الأطلسي الذي يكرّس له النص الثالث كاملاً باعتباره «التحالف الأكثر اكتمالاً». أما القسم الرابع والأخير فإنه مكرّس ل«منظورات المستقبل» في ما يخص مسائل الأمن العالمي.
إن المؤلف يعود بدراسة أميركا والتحالفات إلى الأب المؤسس جورج واشنطن. وينقل عنه نصيحته في نهاية فترته الرئاسية الثانية للأمة الأميركية بأمرين: الأول هو «تجنّب الدخول في تحالفات إلزامية»، والثاني «البقاء بعيداً عن الخصومات الأوروبية»، وحتى بريطانيا قال بضرورة النظر إليها على اعتبار أنها عدو الأمس التي دخلت معها الولايات المتحدة حرباً ثانية، بعد حرب الاستقلال، خلال سنوات 1812-1814.
ويحدد المؤلف عدة نقاط ارتكاز أساسية في المفهوم الأميركي للأحلاف. النقطة الأولى هي مزيج من «النزعة الأخلاقية» و«الحس الواقعي».
لكن ينقل عن الفيلسوف الليبرالي الفرنسي ريمون آرون ترجمته لهذه النظرة الأميركية أنها «مزيج من الشرعية والنزعة الأخلاقية في الكلام ومن العدوانية أو القسوة على صعيد الفعل».
ونقطة الارتكاز الثانية التي تؤكدها واشنطن في تحالفاتها يتم تحديدها بالمحافظة على «حرية الحركة».
وتتم رؤية مظاهر الحرص الأميركي على «حرية الحركة» باللجوء إلى إجراءات ثنائية وليست تعاقدية. وغالباً ما يتم الإعلان عن مبادئ للرؤساء الأميركيين حول هذه المنطقة أو تلك من العالم. الأمثلة المقدّمة تخص «مبدأ ترومان لمساعدة اليونان وتركيا عام 1947»، و«مبدأ آيزنهاور حول الشرق الأوسط عام 1957»، و«مبدأ نيكسون ذي الركيزتين حول الشرق الأوسط 1971»، ومبدأ هونولولو حول منطقة المحيط الهادئ 1976» و«مبدأ كارتر حول الشرق الأوسط 1979».
وبكل الحالات يبقى الهدف الأميركي الأول الأساسي من الأحلاف هو «البحث عن الهيمنة» و«جني المكاسب إلى جانب رفض تحمّل أية كلفة». ومثل هذه التوجهات يراها المؤلف مثيرة ل«الغضب» بالنسبة لشركاء الولايات المتحدة الأميركية. ويلعب الأميركيون باستمرار في هذا المجال ورقة «دعاة العزلة» في أميركا الذين ينبغي «إغراؤهم» بمكاسب كي يقبلوا الدخول في تحالفات مع هذه المنطقة أو تلك من العالم.
وبالنسبة للتحالفات الأميركية الخارجية، يحدد المؤلف القول إن الولايات المتحدة تبنّت في الأساس فكرة إقامة «كتلة أنكلوسكسونية». ذلك أن شراكتها مع بريطانيا، رغم الحقبة الاستعمارية، تعود إلى عام 1940 بخصوص بعض القواعد في منطقة الكاريبي ثم تعمّقت بعد الهجوم الياباني على قاعدة بيرل هاربور الأميركية في المحيط الهادئ أثناء الحرب العالمية الثانية.كذلك أقامت واشنطن علاقة «جوار استراتيجي مع كندا»، كما عمقت علاقاتها مع أستراليا ومع نيوزيلندا.يضاف إلى هذا شبكات التحالفات في منطقة المحيط الهادئ- الباسفيكي.
ويصف المؤلف تحالفات الولايات المتحدة مع بلدان الشرق الأوسط أنها «مبهمة» كما يبدو من دورها في حلف بغداد، وفي «مبادئ» الرؤساء الأميركيين المتعاقبين حول هذه المنطقة من العالم. وفي الصفحات الأخيرة من هذا الكتاب يعرض المؤلف لما يسميه «عولمة الأحلاف». وذلك على قاعدة «عالمية الأمن». لكن مع احتفاظ الولايات المتحدة بتمسّكها بموقفها المهيمن.
والتحالفات العسكرية يُراد لها أن تكون أداة في ذلك عبر تعميم نمط الأسلحة وتوسيع دور المهمات الخاضعة منها للسيطرة الأميركية المباشرة مثل الحلف الأطلسي الذي جرى التدخل باسمه ضد صربيا عام 1999 وفي أفغانستان حتى اليوم. وينتهي المؤلف إلى القول إن «الولايات المتحدة لا تحترم سوى القوة»، وهي متمسكة جداً بالحلف الأطلسي كأحد أدوات هذه القوّة.
الاستفادة من الحرب
يعتبر المؤلف أن الحرب العالمية الأولى 1914-1918 قد ساهمت بصورة حاسمة في بروز الولايات المتحدة الأميركية كقوة عالمية .لكن إذا كانت الحرب العالمية الأولى قد ساهمت بالبروز الدولي للولايات المتحدة، فإن تكريسها كأحد القوتين العظميين في العالم إلى جانب الاتحاد السوفييتي «السابق»، كان خلال الحرب العالمية الثانية، وكانت تمثل نحو نصف الثروة العالمية. كما كانت المنطقة الوحيدة في العالم التي نجت من دمار الحرب إلى جانب العدد الضئيل في ضحاياها على المستوى البشري.
الكتاب: هل أميركا وحيدة؟
تأليف: هيرفيه كوتو بيغاري
الناشر: ايكونوميكا ـ باريس 2010
الصفحات: 124 صفحة
القطع: المتوسط
L'Amériqe solitaire -
Hervé Couteau- Bégarie
Economica - Paris 2010
p.124

