روبيكا ارنولد باحثة بريطانية جعلت من الموضة وتاريخها ودلالتها الاجتماعية موضوع بحثها الرئيسي والمادة التي تدرسها في عدد من الجامعات. وكذلك موضوع كتبها السابقة، قبل أن تكرّس لها كتابها الأخير الصادر عن جامعة اكسفورد في لندن تحت عنوان: «الموضة تاريخ مختصر».

تنتمي الموضة إلى عالم الأناقة والجمال. هذه هي الفكرة الشائعة عنها، لكن مؤلفة هذا الكتاب «روبيكا ارنولد» ترى فيها أولا «صناعة ديناميكية عالمية، تلعب دورا مهما في الحياة الاقتصادية والثقافية والسياسية والاجتماعية لدى الجمهور العالمي المهتم بها». ولا تنسى المؤلفة أن تؤكد أن الموضة تمسّ شرائح متنوعة في مختلف المجتمعات، وتطال المستويات الراقية للفن، ولكن أيضا الثقافات الشعبية التي تسهم في صياغة وعي الجماهير العريضة. وللموضة أيضا، كما يتم تحليلها، دور كبير كذلك في صياغة «المعايير الجمالية» والنافذة التي تفرض نفسها على الذوق العام، بحيث إنه يغدو من الصعب جداً الخروج عنها.

وتشرح المؤلفة على مدى فصول هذا الكتاب أشكال التأثير المتعددة والمتنوعة للموضة، وكذلك الآليات التي تظهر فيها. هكذا يتم التعرّض للموضة من خلال زوايا متعددة على أساس أنها تمثل في الوقت نفسه «قوة خلاقة» و«مشروعا اقتصاديا» و«وسيلة للتواصل».

وعلى صعيد «الإبداع»، تشير المؤلفة إلى أن تاريخ الموضة ارتبط ببعض الأسماء التي اشتهرت في عالمها، هكذا يتم الحديث عن «كوكو شانيل» التي أصبح «الثوب الأسود» الذي صممته «ماركة» عالمية وأسلوباً في الأناقة.

وعن «التجديدات» الحقيقية، بل «الاختراعات» التي قام بها مصمم الملابس الشهير «كارل لوجيرفلد». وصولاً إلى الحديث عن «التعددية الثقافية» التي ظهرت عبر الموضة لدى المصممين الهنود. ودون نسيان بيوت الأزياء التي أسسها «شباب يابانيون» منذ فترة طويلة من الزمن.

وبالاعتماد على مجموعة من الأمثلة التاريخية والمعاصرة، تقدّم المؤلفة توصيفاً للمنعطفات الكبيرة التي عرفها عالم الموضة منذ عصر النهضة الأوروبي في القرن السادس عشر وحتى الوقت الراهن. هذا مع التركيز بشكل خاص على المسائل المتعلقة ب«مكانة» الموضة في مجتمعاتها و«مصداقيتها الأخلاقية» و«أشكال تأثيرها في المستهلكين».

ويتم الربط في جميع الحالات بين آليات عمل «صناعة الموضة» والسياقات التاريخية والاجتماعية والثقافية، وذلك عبر التعرّض لمجموعة من الظواهر، في مقدمتها تزايد بيوت الأزياء انطلاقاً من بعض المراكز مثل العاصمة الفرنسية باريس. ودراسة دور مختلف المهن «ذات العلاقة» بصناعة الملابس أو ب«بيعها» وبدورات توزيعها ومناسبات عرضها.

هذا مع تمييز المؤلفة بين «الموضة» بمعنى اختصاص بيوت الأزياء الكبرى، وبين «الألبسة الجاهزة» التي تمثل فرعاً صناعياً بامتياز. لكن السمة الأساسية التي تؤكدها المؤلفة عن الموضة هي أنها كانت باستمرار ذات خلفية اقتصادية أولاً ثم «فنية» وجماعية ثانياً.

وتدل الإحصائيات التي تقدمها أن قيمة أعمال عالم الموضة تقدّر سنويا بنحو ثلاثمئة مليار دولار. ورغم الوزن الذي يترتب على ذلك بالنسبة للحياة الاقتصادية والسياسية والثقافية والاجتماعية للجمهور المعني بها، فإن وسائل الإعلام تميل عامة، كما تشير المؤلفة، إلى تقديمها كمهنة «سطحية»، بل وأن فيها شيئا من «الصغارة» و«النرجسية».

هذا فضلاً عن أنها تريد فرض «معايير» للأناقة تحاول فرضها اجتماعياً بحثاً عن جلب المكاسب الاقتصادية. تتم الإشارة في هذا السياق إلى الدور الذي تلعبه وسائل الإعلام المختصة بالموضة في تثبيت المعايير التي «تفرضها» صناعة الموضة على المستهلكين «الطامحين» إلى اكتساب صورة تتماشى مع الحداثة. ومثل هذه المعايير تغدو بمثابة «قواعد» في مجمل ظاهرة الموضة ابتداء من التصنيع ووصولاً إلى التسويق.

وبالاعتماد على مصادر ومراجع متنوعة مثل مجلات الموضة ك«هاربرز بازار» و«فوغ» ومنشورات بيوت الأزياء ومخازن الموضة الكبرى، تستعرض المؤلفة تطور أسلوب الموضة في سياقها التاريخي والجغرافي أيضاً، كما يبدو من الصفحات التي يتم تكريسها لتطور «أسلوب» الموضة في مدينة نيويورك في فترة ما بين الحربين العالميتين.

الموضة والثقافة

من المسائل الأساسية التي تركز عليها روبيكا ارنولد في تعرّضها لتاريخ الموضة الطرق التي عكست فيها الموضة الثقافة المعاصرة بحيث إنها أصبحت أحد «معطيات» الحقبة ذات التأثير في نمط العيش.

المؤلفة في سطور

تعمل روبيكا ارنولد باحثة في كلية العلوم الإنسانية في المعهد الملكي البريطاني للفن بالعاصمة البريطانية لندن. أسهمت كأستاذة لدراسات الموضة في جامعة ستوكهولم خلال عامي 2006 و2007.من مؤلفاتها: «الموضة وملابس الرياضة وصورة النساء خلال سنوات الثلاثينات والأربعينات في نيويورك»، «الموضة والرغبة والقلق».

الكتاب: الموضة: تاريخ موجز جدا

تأليف: روبيكا ارنولد

الناشر: جامعة أكسفورد ـ لندن 2009

الصفحات: 250 صفحة

القطع: المتوسط

Fashion: a very short story

Rebecca Arnold

Oxford University

Press2009

p.250